*قراءة في تصريح توم باراك* ….ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
ما صدر عن توم باراك ليس خبر عابر، بل رفع الستار عن خللٍ كبير داخل دائرة ترامب. الإيحاء واضح للمسار الذي عبرته المعلومات إلى مكتب الرئيس لم يكن محايداً، وأن ما عُرض عن واقع العراق كان رواية منتقاة، صيغت بعناية الكذب والتدليس.
تتحدث الوقائع عن مبعوث ترامب “مارك سافايا” الذي قدّم صورة مشوّهة عن السيد نوري المالكي، وربما معطيات مدفوعة الثمن. لكن الدلالة تتجاوز الأسماء، فحين تُبنى قوة عظمى مواقفها على سردية مضللة وغير دقيقة، فنحن أمام خلل في آلية صناعة القرار، لا مجرد خطأ تقديري!!
هنا يتحول العراق من بلد بتعقيداته وتشابكاته، إلى قصة أو رواية تُكتب في مكاتب النفوذ. أشخاص يحددون من هو المقبول ومن هو المرفوض، ثم تُقدَّم هذه الصياغة للرئيس بوصفها الحقيقة. يبدو في هذا المشهد، من يملك السردية يملك القرار.
ومع عزل المبعوث “سافايا” من مهمته، تبدو الخطوة كاعتراف ضمني بوجود خلل في آلية نقل الوقائع. القضية لم تعد جدلاً عراقياً داخلياً، بل مؤشراً على هشاشة البيئة المحيطة بصناعة القرار، حيث تتداخل السياسة بالمال، وتتقدم الشبكات غير الرسمية على القنوات المؤسسية. هكذا تصبح المعركة حرب نفوذ على الإدراك، تُحسم في غرف التأثير قبل أن تظهر نتائجها على الأرض.
*لماذا المالكي تحديداً؟*
عندما ترتبط المعلومات المضللة بشخصية محورية مثل المالكي ، فنحن أمام محاولة تأثير مباشر على التوازن السياسي داخل بغداد، لأن صورة المالكي في واشنطن تؤثر على حسابات خصومه، ومواقف الحلفاء، ودرجة الضغط الدولي، وشرعية ترشيحه داخلياً بمعنى آخر: الصورة في واشنطن تتحول إلى أداة ضغط داخل العراق. وذكر المالكي في هذه السياقات ليس صدفة. فهو شخصية جدلية ومحورية داخلياً وخارجياً يُقرأ بعدة زوايا:
1. لأنه رجل دولة أدار مرحلة انهيار أمني خطير، خلال فترته واجهت الدولة تهديدات وجودية، وأُعيد بناء مؤسسات أمنية وعسكرية بعد تفكك 2003.
2. الرجل كان ولايزال خصم للمشاريع التفكيكية، كما يُنظر إليه كرمز لمركزية الدولة، وهذا يتعارض مع مشاريع النفوذ التي تقوم على تفتيت القرار.
3. اسم ثقيل في معادلة الإطار التنسيقي، وبالتالي فإن استهداف صورته خارجياً ينعكس مباشرة على موازين القوة داخلياً.
ما تكشفه هذه المعطيات أن الصراع على رئاسة الوزراء لم يعد تنافس برامج أو كتل فحسب، بل صراع سرديات وقنوات وصول، من يكتب الرواية التي تصل إلى صانع القرار الأميركي يمتلك قدرة التأثير. وهنا تتقدم المعركة على الإدراك، حيث تُصاغ الوقائع سياسياً قبل أن تتجلى على الأرض.
*لماذا هذا التطور الخطير؟*
لأن ما قيل يعني أن السياسة الأميركية تجاه العراق قد تُوجَّه عبر معلومات منحازة أو مدفوعة، بحيث لا يعود القرار الدولي ثمرة تقييم مؤسساتي رصين، بل نتيجة تقاطعات مصالح أفراد وشبكات ضغط. عندها تتحول الدولة العراقية إلى موضوع تنافس بين دوائر نفوذ خارجية، ويتراجع منسوب السيادة، بينما تُختزل بغداد إلى ساحة تُتداول فيها الروايات في الخارج قبل أن تتشكل الوقائع في الداخل.
وتكمن خطورة التدخل الأميركي في وزن الموقف الرئاسي نفسه؛ فإشارة واحدة من رئيس الولايات المتحدة، حتى لو جاءت في تغريدة، قادرة على التأثير في حسابات دول أخرى، وإرباك مواقف قوى سياسية داخلية قد تتخذ منها ذريعة لتبرير اصطفافاتها. هكذا تكتسب الإشارة الإعلامية قيمة ضغط جيوسياسي، ترفع كلفة دعم طرف، وتمنح غطاءً رمزياً لمعارضة طرف آخر.
هذا يفرض قراءة مغايرة لما يجري في بغداد، معركة السلطة لم تعد تُحسم تحت قبة البرلمان وحدها، بل أيضاً في فضاءات اللوبيات، وغرف المال السياسي، وقنوات التأثير على البيت الأبيض. نحن أمام مشهد تتداخل فيه المعلومات والمال والعلاقات الدولية كسلاح سياسي، ليغدو العراق جزءاً من سوق النفوذ داخل السياسة الأميركية، لا مجرد ساحة صراع إقليمي.
*دلالة التوقيت في تصريح باراك*
التوقيت هنا إشارة إلى صراعٍ داخل المعسكر الترامبي، حول من يحتكر (الملف العراقي). تصريح توم باراك يبدو كعملية نزع شرعية سياسية من “سافايا” الذي قدّم روايته للرئيس ترامب، وإعلانٍ بأن ما وصل إلى المكتب البيضاوي لا يعكس الواقع كما هو. وهذا يوحي بأن إدارة الملف لم تمر عبر القنوات المؤسسية وحدها، بل عبر شبكات نفوذ ووسطاء يتقاطع عندهم السياسي بالمالي.
القضية إذن ليست شخصاً ولا تغريدة، بل دولة مثل العراق أصبح توصيفها في واشنطن جزءاً من سوق التأثير. هناك من يكتب التقارير، ومن يسوّق المواقف، ومن يصوغ صور المنقذ والخطر، فيما يحاول آخرون اليوم إعادة ضبط البوصلة بعد انكشاف الخلل.
بهذا المعنى، يكشف تصريح باراك لحظة مراجعة داخل النظام نفسه. لان القرار الأميركي تجاه العراق لم يتشكّل حصراً عبر مؤسسات، بل عبر طبقات من التأثير المتداخل. ولكن هل يستطيع توم باراك أن يؤثر في إعادة صياغة (الرواية العراقية) داخل دائرة دونالد ترامب؟ ليس بوصفه صاحب قرار، بل بوصفه قناة تأثيرعلى ترامب، نعم يستطيع فعل ذلك، وذلك من خلال الطعن في مصداقية التقارير السابقة، وتقديم سردية بديلة، وإعادة توصيف المالكي بعيداً عن صورة الخصم الجاهز.

اترك رد