منبر العراق الحر :كاتب سياسي
على بُعد 300 ميل جنوب آيسلندا، وفي قلب شمال الأطلسي، أقدمت الولايات المتحدة ليلة السابع من كانون الثاني/يناير 2026، على مصادرة ناقلة النفط العملاقة مارينيرا، التي كانت ترفع العلم الروسي رسمياً وتتمتع بمرافقة غواصة نووية من فئة (Yasen-M). لم يكن الأمر مجرد اعتراض لسفينة مشتبه بها، بل كان إعلاناً عملياً بأن زمن الاكتفاء بالمراقبة والعقوبات المكتبية قد انتهى، وأن المحيطات باتت جزءاً من ساحة الصراع المباشر بين القوى العظمى.
التصعيد جاء في توقيت بالغ الدلالة، بعد إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك للمحاكمة، ما ربط ملفات النفط والعقوبات والقوة العسكرية في معادلة واحدة تعكس اشتداد صراع النفوذ على مصادر الطاقة. الناقلة “مارينيرا” لم تُحتجز في ميناء، ولم تُوقف عبر إجراءات روتينية، بل تعرّضت لإنزال جوي نفذتها قوات (US Navy SEALs) “سيل” الأمريكية باستخدام مروحيات MH-6 التابعة لفوج العمليات الخاصة 160. العملية جاءت بعد مطاردة استمرت 18 يوماً في شمال الأطلسي، حيث حاولت السفينة تغيير هويتها وإغلاق أجهزة التتبع وتبديل العلم لتفادي المصادرة من الناحية القانونية، اعتبرت واشنطن السفينة «عديمة الجنسية» لحظة الاعتراض، ما أسقط عنها أي حماية سيادية. لكن من الناحية الاستراتيجية، كانت العملية رسالة سياسية ثقيلة الوزن، الحصانة التي يمنحها العلم الروسي لم تعد كافية لحماية سفن أسطول الظل.
*من ناقلة نفط إلى أزمة سيادية*
لم تكن “مارينيرا” مجرد سفينة تجارية. اسمها السابق “Bella 1″ كان حاضراً في قوائم ما يُعرف بـ”أسطول الظل” – تلك الشبكة البحرية المعقّدة التي بنتها روسيا وإيران وفنزويلا للالتفاف على العقوبات الغربية وسقوف الأسعار المفروضة على صادرات النفط. هذا الأسطول، الذي يضم أكثر من ألف سفينة تعمل في المناطق الرمادية من القانون الدولي، لا يعتمد فقط على تغيير الأعلام والملكية الوهمية، بل على إطفاء أجهزة التتبع، وتزوير المواقع الجغرافية، ونقل الشحنات سراً في عرض البحر.
لكن ما ميّز هذه الحادثة أن السفينة، في لحظة المصادرة، لم تكن تختبئ خلف علم دولة صغيرة أو سجلٍّ بحري غامض. بل كانت ترفع العلم الروسي رسمياً، وكأن موسكو أرادت أن تقول للعالم إن هذه الشحنة لم تعد مجرد عملية تهريب اقتصادية، بل أصل سيادي محمي بقوة الدولة.
هنا تحوّل المشهد من تنفيذ قانوني لعقوبات إلى أزمة سيادة بين قوتين نوويتين.
*لماذا الآن؟ قرار كسر القواعد*
لسنوات، اكتفت واشنطن بتعقّب أسطول الظل، وفرض العقوبات على شركاته، وملاحقة شبكاته المالية. لكنها أدركت مع الوقت أن هذه الأدوات لم تعد كافية. روسيا واصلت تصدير نفطها بأسعار تفوق سقف مجموعة السبع، وإيران حافظت على تدفقات مستقرة إلى الصين، وفنزويلا استعادت جزءاً من قدرتها التصديرية بفضل الدعم اللوجستي الإيراني.
الأهم من ذلك أن موسكو بدأت تنظر إلى أسطول الظل لا بوصفه وسيلة مؤقتة للتهرّب، بل كأصل استراتيجي طويل الأمد. سجّلت عشرات السفن تحت علمها الوطني، ووفّرت لها مظلة سياسية وقانونية، ثم بدأت بإرسال إشارات عسكرية لحمايتها. وهكذا، انتقلت المعركة من مستوى العقوبات الاقتصادية إلى مستوى الردع البحري. في تلك اللحظة، قررت الولايات المتحدة أن الصمت لم يعد خياراً، وأن الردع لا يُستعاد إلا بالفعل الميداني.
لذلك اختيار موقع العملية لم يكن عشوائياً. المنطقة الواقعة بين آيسلندا وبريطانيا تُعد عنق زجاجة استراتيجية لأي سفينة متجهة إلى البلطيق أو القطب الشمالي. السيطرة على هذا الممر تعني التحكم في شريان أساسي لحركة النفط الروسي غير النظامي. الناقلة “مارينيرا” كانت تحاول التوجه نحو الممر الشمالي لتختفي في مياه القطب المتجمد بعيداً عن الرقابة الغربية، لكن الاستخبارات الأمريكية أوقفتها في أضيق نقطة جغرافية ممكنة. بهذا، ترسم واشنطن مثلث ضغط جديد. آيسلندا – بريطانيا – القطب الشمالي، وهو مثلث يخنق حركة أسطول الظل الروسي جغرافياً وعسكرياً.
*ظل الغواصة النووية*
كانت الغواصة الروسية “كازان” (K-561) وهي من فئة Yasen-M رمزاً لهذا التصعيد. تعمل بالطاقة النووية، قادرة على البقاء تحت الماء لفترات طويلة، ومزوّدة بصواريخ كاليبر و أونيكس ذات المدى والدقة العالية. إرسالها لمرافقة ناقلة نفط لم يكن قراراً تقنياً، بل هي رسالة سياسية، أسطول الظل بات جزءاً من الأمن القومي الروسي. لكن حين بدأت العملية الأمريكية بمصادرة مارينيرا، لم تتحرك الغواصة. ولم تُطلق طوربيداً واحداً، ولم تُظهر نفسها على السطح. بقيت في الأعماق، شاهدة صامتة على مصادرة السفينة. حيث أصبح وجود غواصة بهذه المواصفات في مسرح العملية لم يكن عملياً، بل كان استعراضاً مباشراً للقوة تحت الماء.
*السؤال المركزي الذي يطرحه الحدث هو: لماذا سمحت روسيا بحدوث المصادرة رغم وجود غواصة نووية في المنطقة؟*
الإجابة تكمن في قواعد الاشتباك غير المكتوبة بين القوى الكبرى. أي ضربة روسية ضد القوات الأمريكية كانت ستُصنَّف كعمل عدائي مباشر في المياه الدولية، وقد تؤدي إلى تصعيد نووي. كما أن السفينة كانت قانونياً في وضع “ملتبس” بعد تغيير هويتها، ما جعل الدفاع عنها عسكرياً محفوفاً بالمخاطر السياسية والقانونية. فلذلك وجدت موسكو نفسها أمام معادلة خاسرة. الرد العسكري يعني مواجهة كبرى، والصمت يعني إضعاف الهيبة. فاختارت الاحتجاج الدبلوماسي ووصفت العملية بـ”القرصنة الدولية”، حفاظاً على ماء الوجه دون الانزلاق إلى صدام مفتوح.
المفارقة الاقتصادية
رغم التصعيد البحري والتوتر السياسي، لم ترتفع أسعار النفط كما كان متوقعاً، بل تراجعت إلى نحو 60 دولاراً لبرميل خام برنت. السبب أن الولايات المتحدة ستعالج النفط المصادَر وتعيد بيعه في السوق العالمية، بكمية قد تصل إلى 50 مليون برميل. لهذا لم ينظر التجار إلى المصادرات على أنها تعطيل للإمدادات، بل اعتبروها ضخاً إضافياً للسيولة في السوق، ما ساهم في تهدئة المخاوف وخفض الأسعار بدلاً من رفعها.. ما حوّل المصادرة من تهديد للإمدادات إلى عامل ضغط على الأسعار. واشنطن لم تكتفِ بحرمان موسكو من العائدات، بل استخدمت الشحنة المصادَرة لإغراق السوق نسبياً، وكسر أي موجة مضاربة كان يمكن أن ترفع الأسعار تحت تأثير المخاوف الجيوسياسية.
في هذا السياق، انتقل النفط من كونه مصدر تمويل للأنظمة الخاضعة للعقوبات إلى أداة ضغط بيد الولايات المتحدة، تُوظَّف في آنٍ واحد لمعاقبة الخصوم، ولإدارة مسار الأسعار عالمياً. هكذا أصبحت براميل النفط المصادَرة جزءاً من ترسانة اقتصادية مزدوجة الوظيفة، تضييق الخناق المالي على روسيا، وتوجيه إشارة للأسواق بأن واشنطن قادرة على التحكم بإيقاع العرض حتى في ذروة التوترات الدولية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر