العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليبية الى الجهاد المعاصر… د.جوتيار تمر

منبر العراق الحر :يتميز الارهاب الديني بتوظيف الخطاب المقدس بوصفه اداة لتبرير العنف المفرط ضد الخصوم، سواء كانوا من خارج الجماعة الدينية او من داخلها؛ ويقدم الفاعلون انفسهم باعتبارهم منفذين لارادة الهية متعالية، تمنح افعالهم شرعية رمزية تتجاوز اي مساءلة اخلاقية او انسانية، ويقوم هذا النمط من العنف على تحويل النص الديني من منظومة قيمية اخلاقية الى سلطة قهرية مغلقة، يحتكر تاويلها فاعلون بشريون يعيدون تشكيل المقدس بما يخدم مصالح الهيمنة والاقصاء، وهو ما ينسجم مع فكرة صناعة الاله التي تناولتها في كتاب بشر يمتهنون صناعة الالهة، حيث يتحول الاله من مفهوم روحي الى اداة سلطوية.
شهدت العصور الوسطى نماذج صارخة لهذا العنف، تمثلت في الحروب الصليبية التي جرى فيها توصيف المقاتلين جنودا للمسيح – جنود الرب -، في عملية واضحة لتحويل العنف العسكري الى واجب خلاصي تمنح فيه المجازر شرعية لاهوتية مسبقة؛ وقد استمرت هذه الحروب قرابة قرنين، واسفرت عن قتل جماعي واسع لا يمكن فصله عن اعادة انتاج الاله بوصفه اله حرب وانتقام، وفي السياق الاسلامي، مثل اقتحام القرامطة لمكة عام 930م وسرقة الحجر الاسود نموذجا اخر للعنف المقدس القائم على تاويلات راديكالية اقصت الاخر، وافرغت الرموز الدينية من معناها الروحي لصالح وظيفة صدامية.
ولا يمكن فهم تشكل الارهاب الديني بوصفه بنية تاريخية ممتدة من دون التوقف عند نماذج مبكرة للعنف المؤدلج رافقت الحملات العسكرية العربية في صدر الاسلام؛ فقد شهدت تلك المرحلة ممارسات قتل جماعي واقصاء منهجي استهدفت غير العرب من سكان المدن والقرى والدول المحتلة، تحت غطاء ديني برر العنف بوصفه فتحا او جهادا؛ ولم يكن الانتماء الديني وحده معيار النجاة، بل تداخل مع البعد العرقي والقبلي، حيث تعرضت جماعات واسعة من غير العرب للقتل او التهميش حتى بعد دخولها في الاسلام؛ ويكشف ذلك عن نمط مبكر من العنف المقدس المعرقن، احتكر فيه العربي المحتل تعريف الايمان الصحيح، وربط الطاعة الدينية بالخضوع السياسي والقبلي، بما يعكس بوضوح صناعة بشرية للمقدس وظفت لتكريس التفوق والهيمنة.
وفي العصر الحديث، اعادت التنظيمات الجهادية، مثل القاعدة وداعش، انتاج المنطق ذاته، ولكن بادوات اكثر دموية واعلامية؛ فقد جرى تفريغ النصوص الدينية من سياقاتها التاريخية، واعادة شحنها بدلالات قتالية مطلقة، تحول فيها الجهاد الى صناعة موت، وتحولت فكرة الاله الى ذريعة جاهزة لابادة المختلف دينيا او عرقيا، وهنا يتضح ان اخطر اشكال العنف لا تنبع من الايمان ذاته، بل من احتكار تعريف الاله وتحويله الى منتج ايديولوجي بيد جماعة مغلقة تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة.
ويتجلى التشابه البنيوي بين الارهاب الديني القديم والحديث في اعتماد التبرير الديني للعنف، وفي ممارسة الوحشية العلنية بوصفها اداة ردع واستعراض قوة، حيث تتحول المجازر – قطع الرؤوس – والاعدامات العلنية الى طقوس رمزية تهدف الى ترسيخ الهيبة وبث الرعب؛ كما يظهر هذا التشابه في الاقصاء الطائفي والانثروبولوجي، الذي يجرد الضحية من انسانيتها قبل قتلها، سواء وسمت بالكفر او الردة او الدونية العرقية، وهو منطق رافق حروب الردة تاريخيا، ويعاد انتاجه اليوم في استهداف الكورد والعلويين والدروز وغيرهم.
وفي مثال معاصر، تعكس احداث العاشر من كانون الثاني 2026 في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب هذا النمط بوضوح، حيث اظهرت مقاطع مصورة عناصر تابعة لاحمد الشرع الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام ذات الخلفية الارهابية الجهادية، وهم يحاصرون ويهينون مقاتلة كوردية من قوات سوريا الديمقراطية؛ وتشير تقارير ميدانية الى تعرضها للقتل بعد رفضها الاستسلام، سواء عبر قذفها من مبنى مرتفع او عبر قصف المنزل الذي كانت تتحصن فيه، مما ادى الى استشهادها وسقوط مدنيين، ويعكس هذا المشهد الارهاب الديني في تمثيله الوحشي للعدو، بوصفه مسرحية رمزية يعاد فيها انتاج التفوق العقائدي عبر الاذلال الجسدي، على نحو يوازي الاعدامات العلنية التي مارسها تنظيم داعش؛ ان الارهاب الديني، في جوهره، ليس الا نتاجا لبشر يمتهنون صناعة الالهة، ويعيدون تشكيل المقدس وفق حاجاتهم السلطوية، محولين الايمان من تجربة روحية الى اداة قتل، ومن منظومة قيم الى سلاح.

اترك رد