منبر العراق الحر :
لم يكن الجدل حول تعيين ابنة الوزير في الديوان الملكي هو المشكلة الحقيقية، بل طريقة تعاطي الوزير معه. فبدل أن يقدّم توضيحًا شفافًا يراعي حساسية المنصب العام، إختار التبجّح، وكأن الوظيفة العامة مكافأة شخصية، وكأن أسئلة الرأي العام وقاحة لا حقًّا مشروعًا.
المناصب السيادية لا تُقاس بالكفاءة المعلَنة ولا بالألقاب الأكاديمية وحدها، بل تُقاس أولًا بثقة الناس في عدالة الوصول إليها. وحين يكون المعيَّن ابنة الوزير نفسه، يصبح السؤال واجبًا لا ترفًا: هل تمّ التعيين عبر مسار تنافسي مفتوح؟ وهل أُتيحت الفرصة لآلاف الكفاءات التي لا تحمل اسمًا نافذًا؟
الوزير، وهو في موقع المسؤولية، لا يملك رفاهية الاستخفاف بالشكوك. فالثقة العامة لا تُفرض بالنبرة المتعالية، ولا تُصان بالتصريحات الاستفزازية، بل تُبنى بالتواضع، وبالإقرار بأن تضارب المصالح—even إن كان قانونيًا—يبقى سياسيًا وأخلاقيًا محل مساءلة.
الأخطر من التعيين نفسه هو الرسالة التي يُراد تمريرها: أن القرب من السلطة كفاءة بحد ذاته، وأن النسب قد يختصر الطريق الذي يقطعه غيرهم بسنوات من الاجتهاد. هذه الرسالة، إن استقرّت، تقتل روح الخدمة العامة، وتحوّل الدولة إلى نادٍ مغلق.
لسنا ضد الأشخاص، ولا ضد إبنة الوزير ولا غيرها. نحن ضد تحويل الدولة إلى شجرة عائلة، وضد منطق “أنا أستطيع إذن أفعل”. الوزير لا يُحاسَب لأنه أب، بل لأنه مسؤول. والمسؤول حين يُسأل، يجيب… لا يتباهى.
إن أخلاق المنصب تقتضي من الوزير أن يدرك أن السلطة ليست إمتيازًا، بل عبئًا. وأن أول ما يُطلب ممن يجلس على كرسي القرار هو أن يكون آخر من يستفيد منه.
أثار تعيين إبنة الوزير، في الديوان الملكي جدلًا مشروعًا في الرأي العام، ليس بسبب شخصها بقدر ما هو بسبب السياق الذي جاء فيه القرار، وطريقة تعامل الوزير مع الأسئلة التي طُرحت حوله. فالاستياء لم يكن وليد التعيين وحده، بل تفجّر مع نبرة التبجّح التي رافقت رد الوزير ومن هم خلف الوزير، وكأن المساءلة العامة إساءة شخصية لا حقًا دستوريًا.
في الدول التي تحترم نفسها، لا يُنظر إلى الوظائف العليا بوصفها إستحقاقًا عائليًا، ولا تُدار الحساسية السياسية بمنطق “القانون يسمح”. فالقانون يحدّد الإطار، أما الأخلاق السياسية فتحدّد السلوك. وحين يكون صاحب القرار هو والد المعيّنة، يصبح السؤال حول تضارب المصالح أمرًا بديهيًا لا مؤامرة خفية.
المشكلة الأعمق لا تكمن في هذا التعيين بعينه، بل في ما يرمز إليه. إذ يوحي بأن القرب من مراكز النفوذ قد يختصر الطريق، وأن أسماء بعينها تملك أفضلية غير مكتوبة. وهذه الرسائل، حين تتكرر، تُضعف ثقة الشباب بالدولة، وتغذّي الشعور بأن الإجتهاد وحده لا يكفي.
عندما قابلت رئيس الديوان الملكي الحالي أكثر من مرة قال لي إنه لا يملك من أمره شيئًا.
عندما سمعتُ هذه العبارة تتكرر على لسان رئيس الديوان الملكي، شعرتُ بأن العبث بلغ ذروته، فكيف لمن يجلس في موقع القرار أن يدّعي العجز، وكيف لدولة أن تُدار بمن “لا يملك من أمره شيئًا”؟ إلى اليوم لم أفهم هذا المنطق المقلوب؛ كيف تُعيَّن ابنة وزير تخرّجت بالأمس، بلا تجربة ولا كفاءة، بينما أُهمَّش أنا، الحاصل على الدكتوراه منذ 2011، صاحب الخبرة الطويلة، والعمل الأكاديمي، والاستحقاق الواضح، لا لأكون موظفًا عاديًا فحسب، بل لأتحمل مسؤوليات كبرى كرئاسة الديوان الملكي أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. أي عدالة هذه التي تكافئ القرب لا الكفاءة، والولاء لا الجدارة، وتحوّل الوطن إلى مساحة ضيقة لا تتسع لأبنائه الأكفّاء؟ إن ما يؤلمني ليس المنصب بحد ذاته، بل الإهانة الصريحة للعقل، والرسالة القاتلة التي تقول إن الإجتهاد لا قيمة له، وإن هذا البلد يُقصي أبناءه حين يكونون الأجدر بخدمته.
الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة
أستاذ اللسانيات الحديثة المقارنة والتخطيط اللغوي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر