الجسد واللذة : فلسفة الوجود بين الرغبة والمعنى…..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في تاريخ الفكر الإنساني لم يكن الجسد يومًا مجرد كتلة لحمٍ صامتة ولا كانت اللذة عرضًا هامشيًا في حياة الإنسان بل شكّلا معًا إحدى أعقد الإشكاليات الفلسفية التي انشغل بها العقل منذ بداياته الأولى فالجسد هو أول ما نكون واللذة هي أول ما نشعر ومع ذلك ظلّ الاثنان موضع ريبة وتوجّس وصراع طويل بين الفلسفة والأخلاق والدين والسياسة وإن الحديث عن فلسفة الجسد واللذة ليس حديثًا عن الغريزة وحدها بل هو حديث عن السلطة والمعنى والحرية والهوية وعن الحدود التي رُسمت للإنسان بين ما هو طبيعي وما هو مصنَّع ثقافيًا.

منذ أفلاطون وُضع الجسد في مرتبة أدنى من النفس بوصفه سجنًا للروح ومصدرًا للاضطراب المعرفي وكانت اللذة في هذا السياق شبهة أخلاقية لأنها تشدّ الإنسان إلى المحسوس وتبعده عن الحقيقة المتعالية هذا التصور الثنائي الذي يفصل بين الجسد والروح لم يكن مجرد موقف فلسفي عابر بل تحوّل إلى بنية فكرية عميقة تسللت إلى الأخلاق والدين وأسّست لخطاب طويل يرى في الجسد عبئًا يجب تهذيبه وفي اللذة خطرًا ينبغي ضبطه أو إقصاؤه.

غير أن هذا التصور لم يكن قدرًا مطلقًا ففي الهوامش وُلدت فلسفات أكثر تصالحًا مع الجسد كما في الأبيقورية التي لم تمجّد اللذة بوصفها إفراطًا شهوانيًا بل باعتبارها غياب الألم وطمأنينة النفس واتزان الرغبة هنا يصبح الجسد شريكًا للعقل لا عدوًا له وتغدو اللذة معيارًا للحكمة لا نقيضًا لها وهذا الفهم يحرّر الجسد من شيطنته دون أن يسقطه في فوضى الرغبة العمياء
ومع العصر الحديث أعيد إنتاج القطيعة على نحو أكثر حدّة مع ديكارت الذي فصل بين النفس المفكرة والجسد الممتد فغدا الجسد آلة خاضعة للتشريح والقياس والسيطرة العلمية.

هذا الفصل مهّد لتحويل الجسد إلى موضوع للمعرفة والضبط وأقصى اللذة إلى هامش غير عقلاني لكن اللذة لم تختفِ بل عادت متخفية، مكبوتة أو مشوّهة تنتقم من هذا الإقصاء بطرق غير مباشرة ثم جاء نيتشه ليعلن ثورته العنيفة على هذا الإرث كله معتبرًا احتقار الجسد أخلاق عبيد وإنكار اللذة علامة مرض حضاري والجسد عنده هو العقل الأكبر وهو إرادة الحياة المتجسدة. اللذة ليست خطيئة بل تعبير عن الامتلاء والقدرة والفرح الوجودي بهذا المعنى، تتحول فلسفة الجسد إلى فلسفة مقاومة لكل القيم التي تعادي الحياة باسم الطهر أو العقل أو النظام.

وفي القرن العشرين تعمّق هذا التحول مع الفينومينولوجيا والتحليل النفسي ميرلو-بونتي أعاد الاعتبار للجسد بوصفه شرط إمكان الوجود في العالم فنحن لا نملك أجسادنا بل نوجد بها ومن خلالها والجسد ليس شيئًا نراه من الخارج بل هو أفق التجربة كلها أما فرويد فقد كشف كيف تقوم الحضارة على قمع اللذة وكيف يعود هذا القمع في صورة أعراض واضطرابات.

الجسد هنا ساحة صراع بين الرغبة والقانون بين اللذة والنظام بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وان ميشيل فوكو نقل المسألة إلى مستوى أكثر راديكالية حين بيّن أن الجسد ذاته نتاج تاريخي وأن اللذة ليست بريئة ولا طبيعية كما نتخيل بل تُنتَج وتُنظَّم عبر شبكات السلطة والمعرفة والطب والدين والقانون والأخلاق كلها تكتب الجسد وتحدّد له كيف يشعر ومتى يشعر وبأي شكل.

الجسد في هذا المعنى نص سياسي، واللذة ممارسة مراقَبة لا مجرد إحساس فردي
وفي السياق العربي بقي الجسد موضوعًا ملتبسًا محاطًا بالمحظورات وسوء الفهم فالتراث لم يكن واحدًا أو بسيطًا إذ جمع بين نزعات زهدية صارمة وقراءات أكثر تصالحًا مع الجسد بوصفه نعمة ومسؤولية غير أن الغلبة التاريخية كانت غالبًا لمنطق التحريم والخوف فترسّخت القطيعة بين الجسد والمعنى وغدا الجسد ساحة ذنب دائم واللذة مرادفًا للانحراف لا للتجربة الإنسانية العميقة.

من هنا فإن التفكير في فلسفة الجسد واللذة اليوم ليس ترفًا فكريًا بل ضرورة وجودية وأخلاقية ونحن نعيش في عالم يستهلك الجسد بلا رحمة عبر الإعلانات والصور والسلع وفي الوقت نفسه يقمعه أخلاقيًا وسياسيًا وتُستثمر اللذة تجاريًا وتُدان ثقافيًا في تناقض يكشف عمق الأزمة وكيف نستعيد الجسد دون أن نختزله ؟ وكيف نفهم اللذة دون أن نبتذلها أو نجرّمها ؟
إن الجسد ليس مسألة منتهية ولا حقيقة طبيعية خام بل هو تراكب معقّد بين البيولوجي والثقافي بين الفردي والجماعي بين الرغبة والسلطة واللذة ليست نداء غريزيًا أعمى بل اختبار وجودي يكشف نقص الإنسان وسعيه الدائم إلى الاكتمال ولو لحظة عابرة وكل لذة هي اقتراب لا يكتمل وكل اقتراب يترك أثره في الوعي والذاكرة والهوية.

لقد أثبت التاريخ أن قمع الجسد لا ينتج الفضيلة بل ينتج إنسانًا منقسمًا على ذاته يعيش ازدواجية بين ما يُعلنه وما يعيشه كما أن تمجيد اللذة بوصفها غاية قصوى لا يقل خطرًا لأنه يحوّل الجسد إلى سلعة ويُفرغ التجربة من معناها وفلسفة الجسد لا تقف مع الإفراط ولا مع الحرمان بل تبحث عن توازن هشّ يعترف بالرغبة دون أن يستعبد لها ويمنح اللذة معناها دون أن يحوّلها إلى صنم.

إن إعادة التفكير في الجسد واللذة هي في جوهرها إعادة تفكير في الحرية فالحرية لا تُقاس بالشعارات بل بكيفية عيش الجسد وبالحدود المفروضة على الرغبة وبالمسافة بين ما نريده وما يُسمح لنا أن نريده وكل مجتمع يكشف حقيقته العميقة في علاقته بأجساد أفراده وفي الطريقة التي يشرعن بها اللذة أو يجرّمها.

وفي الختام يمكن القول إن الجسد ليس نقيض العقل ولا اللذة نقيض الأخلاق بل إن كليهما شرط لإمكان إنسانية أقل زيفًا وأكثر صدقًا. الجسد الذي يُفكَّر فيه لا يُقمع واللذة التي تُفهَم لا تُدمِّر وبين الوعي والرغبة وبين القبول والنقد تتشكّل إمكانية إنسان متصالح مع ذاته لا يخجل من جسده ولا يختزل نفسه فيه وهكذا تتحول فلسفة الجسد واللذة من خطاب عن المتعة إلى مشروع فلسفي وأخلاقي يسعى إلى إنقاذ الإنسان من انقسامه الداخلي وردّه إلى وجوده كاملًا بلا إنكار ولا تزوير.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد