منبر العراق الحر :
في عصر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التي تسللت في عمق الأنفس البشرية، ليس بالضرورة ان تخوض الولايات المتحدة حروب شاملة أو احتلالات طويلة، بل تشتغل بمنطق التدخل الانتقائي والحسم الرمزي (فنزويلا وايران). فحين تعتقل قوات نخبوية مثل الدلتا لرئيس دولة متمردة على النظام الامريكي ، أو حين تلوح واشنطن بضربة وشيكة ضد إيران، فإن الحدث لا يقرأ بوصفه فعلا عسكرياً معزولا، بل كحلقة داخل شبكة أوسع من الهيمنة. هنا يتكامل العسكري مع التكنولوجي الخوارزمي والاقتصادي والإعلامي. عملية خاطفة لرئيس دولة عضو في الامم المتحدة أو تهديد محسوب للنظام الايراني يعيدان تذكير العالم بأن الخروج عن قواعد الإمبراطورية الجديدة له كلفة، وكلفته تشمل الدول كافة.
بهذا المعنى، لا تتناقض الشبكات اللامركزية مع العنف، بل تعيد توظيفه. فالإمبراطورية الامريكية المعاصرة لا تلغي القوة الصلبة، لكنها تستخدمها كأداة تأديب ضمن نظام عالمي تديره الأسواق والتكنولوجيا والمعايير القانونية التي هي على مزاج امريكا الترامبية. اعتقال زعيم، أو ضربة استباقية وشيكة لطهران ، لا يهدف فقط إلى إسقاط نظام أو ردع دولة، بل إلى تثبيت منطق السيطرة ذاته، وأن السيادة الوطنية للدول مشروطة بالرضا الامريكي ، وأن القرار السياسي المحلي يظل مكشوفا أمام قوة عابرة للحدود. هكذا يبدأ عصر جديد من الإمبراطورية الامريكية، إذ تتجاوز القانون الدولي السائد والقرارات الأممية لمجلس الأمن، في منظومة واحدة تحكم السيطرة لا باحتلال الأرض، بل بضبط مسارات الفعل الممكن في العالم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر