منبر العراق الحر :
تُعدّ مشكلة الاستقراء من أعقد الإشكاليات في تاريخ الفلسفة ونظرية المعرفة، لأنها تمسّ في عمقها شرعية العقل وحدود انتقاله من الجزئي إلى الكلي. فمنذ أن كشف ديفيد هيوم هشاشة التبرير الاستقرائي، ظلّ العقل الحديث متأرجحًا بين نزعتين متقابلتين: نزعةٍ تعدُ بيقين لا يملك أدواته، وأخرى تُسقِط الاستقراء في دائرة العادة والظن. وفي هذا السياق يبرز مشروع السيد محمد باقر الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء بوصفه محاولة جادّة لإعادة بناء الأساس المعرفي للاستقراء، لا بإنكاره ولا بتقديسه، بل بإخضاعه لمنطق عقلاني منضبط.
ينطلق الصدر من نقد الموقف العقلي الكلاسيكي الذي نظر إلى الاستقراء باعتباره طريقًا ممهِّدًا لليقين البرهاني، من دون أن يمتلك آلية تفسّر القفزة المعرفية من عدد محدود من الجزئيات إلى قانون كلي شامل. فاليقين الذي افترضه هذا التصور ظلّ دعوى بلا تسويغ منطقي كافٍ. وفي المقابل، يتجه نقده إلى المذهب التجريبي الذي جعل التكرار والاعتياد أساسًا للاستقراء، فحوّل المعرفة العلمية إلى نتاج نفسي لا يحمل إلزامًا عقليًا حقيقيًا. وفي كلا الاتجاهين، لا تُحلّ المشكلة، بل يُعاد إنتاجها بصيغة أخرى.
إزاء هذا المأزق، يقترح الصدر تفسيرًا احتماليًا للاستقراء، لا بوصف الاحتمال تعويضًا عن اليقين، بل باعتباره منطقًا عقلانيًا يحكم فعل التصديق. فالاستقراء عنده ليس قفزة عمياء ولا ظنًا نفسيًا، بل حكم عقلٍ يعمل وفق تسلسل منطقي وقوانين ترجيح دقيقة. المعرفة الاستقرائية، وفق هذا التصور، لا تدّعي الإحاطة التامة بالواقع، لكنها تملك مشروعية عقلية لأنها قائمة على تراكم الشواهد وغياب الدحض، وهذان معًا يشكّلان قرينة موضوعية ملزمة لكل عقل سليم.
ويمضي هذا التأسيس إلى نتيجة أعمق، مفادها أن انتظام العالم ليس نتيجة خالصة للاستقراء بقدر ما هو شرط قبلي لجدوى العقل والتجربة. فالعالم غير المنتظم ينتج أحكامًا متناقضة، والتناقض يسقط المعرفة من أصلها. غير أن الصدر لا يحوّل هذا الانتظام إلى مسلّمة ميتافيزيقية مفروضة على العقل، بل يبرّره استقرائيًا ضمن حدود الإمكان البشري، ويمنحه قيمة معرفية من خلال الترجيح الاحتمالي لا الادّعاء القطعي.
ومن هنا يُعاد تعريف المعرفة الاستقرائية بوصفها معرفة الممكن، أي المعرفة التي يعمل بها الإنسان ضمن حدود إدراكه وأدواته. فالاستقراء التام غير متحقق، والاستقراء الناقص هو الأفق الواقعي لكل معرفة علمية. والاحتمال، في هذا الإطار، ليس صفة للواقع ذاته، بل صفة للمعرفة البشرية، ناتجة عن قصور أدوات الاستقراء لا عن خلل في عقلانية الحكم. لذلك يبقى الاحتمال قابلًا للترقية مع تطوّر الأدوات، وإن كان اليقين التجريبي الكامل غير متحقق فعليًا في التجربة الإنسانية.
بهذا المعنى، لا يسقط مشروع الصدر في النسبية ولا يكتفي ببراغماتية عملية، بل يؤسّس لواقعية معرفية محدودة: عقلٌ يعمل، ويُرجّح، ويُصحّح، من دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. إن القيمة الفلسفية العميقة لهذا الكتاب لا تكمن في أنه قدّم حلًا نهائيًا لمشكلة الاستقراء، بل في أنه أنقذ العقل من وهمين قاتلين: وهم اليقين المطلق من جهة، ووهم العجز والشك من جهة أخرى. لقد فتح الصدر بابًا للمعرفة، وأعاد للعقل هيبته المنهجية، مثبتًا أن الاعتراف بالحدود ليس هزيمة للعقل، بل أعلى أشكال نضجه الفلسفي.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر