دول الشرق الأوسط، سباق مع الزمن! درباس إبراهيم

منبر العراق الحر :يبدو أن هناك إشارات صادرة عن بعض الدوائر الاستخبارية تفيد بوجود سيناريوهات جدية لإسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل إدخاله في مرحلة إضعاف تفضي في النهاية إلى تغيير بنيته. ويتزامن ظهور هذه المؤشرات مع تحركات إقليمية متسارعة، ما يوحي بأن الشرق الأوسط مقبل على تحولات غير مسبوقة، لن تقتصر تداعياتها على إيران وحدها. وفي هذا السياق، قال السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في الكونغرس الأمريكي، (إن تغييرات ستحدث في الشرق الأوسط لم يشهد لها مثيلا منذ ألف عام). هذا التصريح، بغض النظر عن خلفياته، يعكس حجم التوقعات والتحولات التي يجري التداول بها في مراكز القرار.

انطلاقا من هذه الرؤية، بدت تركيا وكأنها تسابق الأحداث، إذ هرعت دولتها العميقة، برعاية زعيم حزب الحركة القومية التركية دولت بهجلي، إلى طاولة المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني، في محاولة لاحتوائه. ولا يعكس هذا التحرك تحولا فكريا بقدر ما يعكس خوفا وجوديا، لا سيما أن أنقرة كانت، حتى وقت قريب، تتنكر لحقوق الشعب الكردي، ولا تعترف بوجوده أصلا، وتصنف حزب العمال الكردستاني جماعة إرهابية. وفي السياق السوري، تواصل تركيا دعم جبهة النصرة، التي استولت على السلطة في سوريا، وذلك على المستويات العسكرية والاستخبارية والإعلامية، في مسعى واضح لتقويض طموحات المكون الكردي هناك. ومن المؤكد أن ما سيجري في إيران ستكون له انعكاسات سلبية على تركيا نفسها، إذ تخشى أنقرة على كيانها من التفكك، وتشير بعض المؤشرات إلى أن الدور قد يأتي عليها بعد إيران.

من جهة أخرى، فإن أي انهيار أو إضعاف للنظام الإيراني سيكون له أثر كبير أيضا على الحوثيين في اليمن. وبما أن الإمارات تسعى إلى موطئ قدم استراتيجي في اليمن، فقد حركت فصائل المجلس الانتقالي الجنوبي للمطالبة بالانفصال، الأمر الذي استدعى تدخل السعودية، التي قصفت تلك الفصائل واتهمت الإمارات علنا بمحاولة تقسيم اليمن. والسعودية بدورها، تعيش هاجسا وجوديا مماثلا، وتخشى أن تمتد إليها رياح التفتيت، وهو ما يفسر استعدادها للجلوس حتى مع الحوثيين إذا كان ذلك كفيلا بمنع سيناريو التقسيم، لا سيما أنها فشلت في القضاء عليهم رغم تدخلها العسكري الواسع عام 2015، بل إنها أوقفت هجماتها العسكرية ضدهم، خاصة بعد تلقيها ضربات مؤثرة من قبل الحوثيين.

أما قطر، فهي لا تريد سقوط نظام الملالي في إيران، وقد عبرت عن ذلك صراحة على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، خلال مؤتمر صحفي، إذ قال: (إن أي تصعيد محتمل ضد إيران لا يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل يشكل خطرا على الأمن الدولي بأسره)،مضيفا: (إن دولة قطر تواصل اتصالاتها مع طهران وواشنطن لدعم أي حوار يهدف إلى منع التصعيد).

وفيما يتعلق بالعراق، فقد أظهر، قبل وصول عاصفة التغيير إليه، إشارات إيجابية توحي بإعادة قراءة للمرحلة المقبلة. وكانت آخر تلك الإشارات ما نقلته وكالة أسوشييتد برس الأميركية عن مسؤول قضائي عراقي قال إن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، وضع إطارا قانونيا شاملا للشروع في عملية نزع سلاح الفصائل العراقية. لكن يبقى السؤال هنا، هل هذه الخطوة جادة أم مجرد خطوة تمويهية مؤقتة؟ وهل ستقنع هذه الخطوة مارك سافايا، المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى العراق، أم لا؟

في المقابل، يبدو إقليم كردستان في حالة جمود سياسي مقلقة. فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على إجراء الانتخابات البرلمانية، لم تشكل الحكومة حتى الآن، بانتظار حسم منصب رئيس الجمهورية العراقي، حيث يحتدم الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ويعكس هذا الشلل السياسي غياب أي استعداد فعلي أو رؤية واضحة للتعامل مع التغييرات المحتملة في إيران، رغم أن ارتداداتها ستكون مباشرة وعميقة على الإقليم.

في المحصلة، من الواضح أن المنطقة تقف على أعتاب إعادة تشكيل جذرية، تتحرك فيها الدول بدافع الخوف الوجودي أكثر من أي رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكمن الخطر الأكبر في التغييرات المحتملة القادمة، بقدر ما يكمن في العجز عن قراءتها والاستعداد لها.

 

اترك رد