أمي : ملحمة الفقد والوجود…د.رافد حميد القاضي

منبر العراق الحر :

أمّي…
أكتب إليكِ
حيث تسكنين
من قلبٍ يفيض بالحزن
ومن روحٍ تمشي
وحيدةً بين الظلال
أكتب ويدي ترتجف
وقلبي ينكسر كل ثانية
وأنا أسأل الليل الطويل:
أين أنتِ؟

كم غريبٌ أن يصبح
صمتكِ لغة
وأن يصبح غيابكِ
نهرًا من الحزن يتدفّق
في دمي…
كم غريبٍ أن كل
صوت يذكركِ ذكرى
وكل ظل يلمس
روحي ألمًا لا يزول
وكل نسمة هواء
تحمل طيفكِ إلى قلبي…

كنتِ لي كل شيء
قبل أن أعرف
معنى الكلمات
قبل أن أفهم الزمن
قبل أن أفهم الفرح
قبل أن أفهم الألم…

كنتِ لي البداية والنهاية
كنتِ لي السؤال والجواب
كنتِ لي كل فلسفة
في هذا الكون المظلم…

أمّي…
حين رحلتِ
أصبح الليل أطول
وأصبح القمر بعيدًا
والنجوم صامتة
وأصبحت الأرض بلا صوتكِ
والسماء بلا رحمتك
وأنا أعيش بين فراغين:
فراغ وجودكِ في الحياة
وفراغي أمام الموت…

أمّي…
أتذكركِ في كل شيء
في صوت المطر
حين يبكي السماء
في حفيف الأشجار
حين تهمس الرياح
في ضحكات الأطفال
التي تذكرني بضحكتكِ
في كل شروقٍ وغروب…

أراكِ…
أحسّ بكِ…
وأسمعكِ تقولين:
“الحياة أعمق
من ما تراه العين والروح
أكبر من كل فراق.”…

كم فلسفة في رحيلكِ!
لقد علمتني أن الفقد
ليس نهاية
وأن الحزن مدرسة
وأن كل دمعة تروي روحًا
تتعلم معنى الوجود
وأن كل وجع يحمل
درسًا عن الزمن
عن الحب، عن الموت
عن الحياة…

كم تمنيت أن أعود
طفلاً بين يديكِ
أحتمي بدفء كفكِ
أسمع قلبكِ يطمئن قلبي
أشم عطركِ
أرى ابتسامتكِ
كم تمنيت أن أقول لكِ:
“كم أحبكِ…
وكم أشتاق إليكِ…
وكم الفقد صعب
على قلبي.”…

أمّي…
لقد رحلتِ جسدًا…
لكن روحكِ باقية
ترافقني في كل نفس
تهمس لي حين أضعف
تشد على يدي حين أرتعش
تعلمني أن الغياب
ليس فراغًا
وأن الحزن ليس عقابًا
بل نافذة لفهم كل شيء…

أمّي…
كم يقتلني أن أراكِ
في الأحلام
تمشين بين الظلال
تبتسمين لي وتقولين:
“الحياة أعمق من الألم
والفقد أعمق من الحب
والروح أبدية
والوجود أكبر
من أن يفهمه البشر.”…

أمّي…
أصبح الحزن فلسفتي
وكل دمعة تجربة
وكل ذكرى أفقًا
وكل لحظة بدونكِ درسًا
عن نفسي
عن الحب
عن الموت
عن الحياة
عن الروح
أصبح غيابكِ كتابًا
لا يُقرأ إلا بالوجع…

أمّي…
أحيانًا أظن أن الكون كله
قد صمت
وأن كل الكواكب والنجوم
مرايا لغيابكِ
وأن كل الفصول
تمر بلا روح
إلا من ذكراكِ…

ذكراكِ التي تصبح
فلسفةً في كل لحظة
وحزنًا في كل قطرة دم
وفكرًا في كل فكرة
وشوقًا في كل نبضة قلب…

أمّي…
كم أحتاجكِ…
كم أفتقدكِ…
كم يصبح الليل طويلًا
حين لا أجدكِ
وحين يغيب قلبكِ
عن هذا العالم
وحين يصبح الدفء
الذي كنتِ تمنحيه ذكريات…

أمّي…
لقد علمتني
أن الحب الحقيقي
لا يموت…
وأن الحزن الحقيقي
ليس مجرد ألم…

بل هو معرفة سر الكون
وأنه في كل فقد
يولد فهم للحياة
وأنه في كل دمعة
تشرق فلسفة جديدة…

أمّي…
لو عدت ثانية…
لكنت كل الفصول
التي لم أقرأها بعد
لكنت كل الألوان
التي لم أرها
لكنت كل أصوات الكون
لكنت كل أسرار الروح…

أمّي…
أكتب لكِ
أخاطبكِ
أفتقدكِ أحبكِ
أبكيكِ…
وأفهمكِ…
وأفهم نفسي…
وأفهم الكون…
وأعرف أن كل شيء بدأ بكِ
وأن كل شيء سينتهي بكِ
وأن الحب والفقد
والروح والوجود…

كلها دروس، أمي…
أنتِ الدرس الأكبر
والرحيل الأكبر
والحب الأبدي…

أمّي…
كم يوجعني أن أناديكِ
ولا يسمع صدى صوتي
إلا الجدران
كم يوجعني أن أمد
يدي فلا أجد دفء كفكِ
كم يوجعني
أن أنظر إلى السماء
فأراكِ غائبة
عن ناظري
لكنكِ حاضرة
في كل خفقة قلب
وحاضرة في كل
نسمة تمر على روحي
تتسلل بين عروقي
كأنكِ لم ترحلي أبدًا…

أمّي…
كنتِ لي وطنًا
قبل أن أصبح الإنسان
كنتِ لي الأمان
حين ينهار
العالم من حولي
كنتِ لي الملجأ
حين تشتد العواصف
والآن… رحلتِ
وتركتِ صمتًا يقطع الأعماق
وتركتِ حزنًا يملأ
كل زاوية في قلبي…

أمّي…
أتذكر صوتكِ
حين تدعين لي بالخير
ضحكتكِ التي كانت
تملأ البيت فرحًا
كلماتكِ الحانية
التي تطبطب على روحي
كم أفتقدها
كم أحس بالفراغ
الذي لا يملأه أحد…

أمّي…
ليل الفقد طويل…
طويل… لا ينتهي
والذكريات تتسلل
كالسيوف الحادة
كل ذكرى منكِ
كل لحظة قضيناها معًا
تحرقني شوقًا
وتذرف عيني دمًا لا ينقطع…

أمّي…
لو كان باستطاعتي
أن أرجع الزمن
لأحضنتكِ أكثر
لأقبل يدكِ أكثر
لأسمع قلبكِ أكثر…

لكن الموت لم يترك لي
إلا صدى صوتكِ في ذاكرتي
وصدى حبكِ في روحي
الذي لن يزول أبدًا…

أمّي…
في الليل حين
يسكن البيت
وأجلس وحدي
أسمع صدى صوتكِ
في كل زاوية
أرى ابتسامتكِ
في كل حلم
وأشعر بأنكِ تقولين لي:
“كن قويًا… عش…
لا تنساني…
فأنا معكِ دائمًا.”…

أمّي…
رحلتِ… لكنكِ باقية…
حاضرة في كل خفقة
في كل دمعة
في كل ذكرى…
وحتى حين يذبل العمر
ويكبر الحزن…
ستبقين أمي…
وستظل روحكِ نورًا
يضيء لي الطريق
ونبراسًا للحب
الذي لا يموت…

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد