منبر العراق الحر :
في عطلة رأس السنة، حين كانت المدينة تخلع تقويمها القديم وتلبس وجهاً جديداً من الضباب والأضواء، جلس عباس بين صديقين مقرّبين، يبادل أكواب القهوة والشاي كما لو كان يبادل أعماراً فائتة… ؛ كانت الملاعق تدور في الفناجين، فتُحدث دوائر صغيرة تشبه أفلاكاً مصغّرة، بينما الوقت نفسه يتباطأ، كأنه يتأملهم من بعيد…
وفجأة، انشقّ المشهد… ؛ لمح عباس، من خلف زجاج المقهى، ظلاً يعرفه حدّ الألم والغبن … ؛ ركّز بصره خلسة، فإذا بالوجه ذاته يطلّ عليه من ذاكرة الإسفلت: ملامح إسمنتية قاسية، وطَلّة شيطانية لا تخطئها العين… ؛ همس لصاحبيه: «إنه هو»… ؛ لم يحتج الهمس إلى شرح ؛ فبعض الأسماء لا تُقال، بل تُستحضر…
نهضوا جميعاً، لا للاختفاء فقط، بل ليراقبوا العالم وهو يعيد تمثيل مسرحيته القديمة… ؛ لم يكن الغريم وحيداً؛ كان معه ابنه البكر، يتذوّق المعجّنات في محل قريب، كأن البراءة نفسها تُؤكل بالسكّر… ؛ تابعوهما بنظراتٍ حذرة، ورأوا الأب والابن يختاران أصناف المعجنات كما تُختار الأقنعة، ثم توجّها إلى سيارة تحمل رقماً حكومياً؛ رقمٌ بدا لعباس كختمٍ على جريمة مؤجّلة… ؛ تذكّر، بلا جهد، ولع غريمه بنهب المال العام، كأن خزائن الدولة كانت حلوى أخرى تُلتهم بلا حساب…
انطلقت السيارة، وانطلقت خلفها سيارة عباس الحديثة، ثلاثتهم فيها كفكرة واحدة ذات ثلاثة أصوات… ؛ كانت سيارة الغريم تسير متعرّجة، تغيّر مسارها بين حين وآخر، تختفي ثم تعود، مثل كذبةٍ ماهرة… ؛ وبحكم خبرتهم الأمنية السابقة، كانوا يعثرون عليها سريعاً، كما يُعثر على الحقيقة بعد طول مراوغة… ؛ وقد تسلّل الشك إلى عباس: «لقد عرف أننا نتبعه»… ؛ لكن صاحبيه هدّآه؛ قالا : إن السير طبيعي، وإن الهواجس أحياناً تخلق أعداءً من الظلال…
بعد اللتيا والتي، انكشف العنوان… ؛ بيت الغريم وقف هناك، صامتاً، كأن الجدران تحفظ أسراراً أكثر مما تحتمل… ؛ عند تلك العتبة، بدأت مرحلة أخرى: التخطيط، الاحتمال، والأسئلة الثقيلة… ؛ رسموا سيناريوهاتٍ استباقية، تخيّلوا ضربةً قاضية لا تُريق دماً، بل تُسقط قناعاً… ؛ غير أن القدر، ذلك المخرج الساخر، لم يمنحهم مهلة ( بروفة) .
على الطريق السريع، جاءت شاحنة مسرعة، بلا اسم ولا وجه، كأنها فكرة طائشة انفلتت من رأس الزمن… ؛ و ارتطمت بسيارة عباس، لا ليكون الاصطدام نهايةً فحسب، بل ليكون سؤالاً مفتوحاً… ؛ في لحظةٍ واحدة، صمتت الأصوات الثلاثة، وبقي الغريم حيّاً طليقاً، كما لو أن العدالة نفسها أخطأت المخرج…
بعد الحادث، ظلّ الإسفلت مرآةً كبيرة تعكس ما لا نريد رؤيته: أن الشرّ لا ينتصر لأنه قوي، بل لأن الصدفة كثيراً ما تصطفّ إلى جانبه… ؛ وأن بعض المطاردات لا تنتهي بإمساك الهدف، بل بانكشاف معنى أعمق: نحن نلاحق أشباحنا بقدر ما نلاحق أعداءنا، وحين نعتقد أننا نكتب النهاية، يكون القدر قد طوى الصفحة وبدأ قصةً أخرى مغايرة…!!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر