منبر العراق الحر :
لم يعد الصعود المرتقب لنوري المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء مجرد عودة لزعيم كلاسيكي، بل هو تجسيد لمعادلة التي تفرضها الجغرافيا السياسية المتفجرة. في لحظة دولية يترنح فيها الشرق الأوسط تحت وطأة احتمالات حرب شاملة، ويبدو أن كل الطرق تؤدي إلى المالكي بوصفه الخيار الذي يجتمع على اختياره الأضداد.
فالمرجعية الدينية العليا تدرك أن المرحلة حرجة جدا وتتطلب “رجل دولة يمتلك الوزن النوعي لضبط التوازن وان المالكي قادر على منع انزلاق العراق ليكون ساحة حرب إقليمية. فهو يمتلك الشرعية الشيعية التي لا تُستلب، مما يجعله قادراً على الوقوف في المنطقة الرمادية بين إيران والمنظومة الدولي فلا يستعدي طهران فتنفجر الساحة داخلياً، ولا يرتهن لها فتُعزل بغداد دولياً. ومن هنا، تجد واشنطن في تحالف “المالكي-السوداني” شريكاً براغماتياً “منزوع الفصائل”، يمتلك قوة برلمانية يمكن ان تصل مع من سيلتحق بهم إلى اكثر من مائة مقعد، مما يجعله الكتلة الشيعية الأكبر والمحاور الأقدر على حصر السلاح بيد الدولة، وهي المهمة التي عجزت عنها القوى الناعمة.
وفي قراءة مغايرة للسائد، يبرز صمت السيد مقتدى الصدر كدعم ضمني يمليه الحرص على عدم التصادم مع رؤية المرجعية من جهة، وإدراكه بأن المالكي هو “المطرقة” الوحيدة القادرة على كبح جماح الفصائل المسلحة التي تهدد المشروع الصدري المستقبلي. إنها هدنة الأقوياء التي تقتضي تسليم الدفة لمن يمتلك الخبرة في “الدولة العميقة” لترويض الفوضى.
أما بالنسبة لطهران التي تواجه ضغوطاً وجودية، فإن المالكي يمثل العمق الاستراتيجي الآمن. هي لا تبحث عن تابع ضعيف ينهار أمام الاحتجاجات، بل عن حليف قوي يمتلك زمام المبادرة والقدرة على حماية المصالح المشتركة دون إغراق العراق في عقوبات دولية مدمرة.
وتكمن العقدة الوحيدة في بعض قادة الإطار الذين يخشون من المالكي صاحب القرار النافذ. هؤلاء يرون في عودة المالكي نهاية لعهد السيولة السياسية وبداية لعهد المركزية القوية لكن الحقيقة التي يغفلونها هي أن الشارع العراقي، في غالبيته، بات يفضل “دولة قوية” تضمن الأمن والخدمات على “تعددية ضعيفة” تشرعن الفوضى.
إن المالكي 2026 هو نسخة منقحة من القوة فهو اليوم يجمع بين خبرة المؤسس وبراغماتية المناور الدولي. وإن قبول المكونات السنية والكردية به، والارتياح الشعبي الملحوظ، يؤكد أن العراق اختار “الصلابة” لمواجهة الإعصار الإقليمي القادم.
وترشيحُ المالكي، وإن بدتْ كلُّ السبلِ تفضي إليه حالياً، إلا أنّه يواجهُ مخاضاً عسيراً بين مطرقةِ بعض الزعامات الشيعية الساعية لتحشيدِ جبهةٍ ملونة لعرقلته، وقد تفرض أمريكا شروطا مفاجئة يرفضها المالكي فتفرملُ مسارَه ، فالنهاياتُ لم تُحسم بعد، ولكن حاليا كل الطرق تؤدي إلى المالكي .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر