تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة …رياض سعد

منبر العراق الحر :

لنبدأ من السؤال الذي يتهرّب منه الخطاب الأردني–الفلسطيني الممجِّد لصدام : هل تُمحى جرائم الطغيان إذا صادف أن الطاغية خاصم أمريكا – ظاهريا – , أو تبرع للأردنيين والفلسطينيين بالأموال العراقية , أو قمع المسلمين الشيعة ؟!

إذا كان الجواب نعم، فهذه ليست سياسة، بل انهيار أخلاقي.

يقال لنا، في كل مرة يُنتقد فيها تعليق صور المجرم صدام في شوارع عمّان وفلسطين ، إن الأمر “موقف ممانع”، وإن صدام “وقف مع فلسطين”… ؛ هذه العبارة، بتكرارها الكسول، تحوّلت إلى حصانة لغوية تُعفي قائلها من مواجهة الحقيقة: صدام لم يكن رمز مقاومة، بل رأس نظام دمّر شعبه، والعراقيون وحدهم دفعوا ثمن هذه “الممانعة” المزعومة.

دعونا نُجرِّد النقاش من العاطفة… ؛ من يدافع عن صدام يقول: لقد تحدّى الغرب… .

الرد بسيط: ومن الذي سُحِق تحت هذا التحدي؟

لم تُقصف واشنطن، ولم تُهزم تل أبيب، ولم تُحرَّر فلسطين… ؛ الذي حدث هو أن العراق أُنهك بحروب، وسُوِّي مجتمعُه بالأرض، وتحوّل شعبه إلى وقود لشعارات فارغة… ؛ و هذا ليس اختلافًا في التقدير السياسي؛ هذه وقائع.

ثم يأتينا الاعتراض الجاهز: “أنتم تكرّرون رواية الاحتلال”.

وهنا تقع المغالطة الكبرى… ؛ فالرواية العراقية عن المجرم صدام سَبقت الاحتلال وتجاوزته… ؛ فالسجون لم تُبنَ بأيدٍ أمريكية، والمقابر الجماعية لم يحفرها الغرب، وحملات القمع لم تكن مؤامرة إعلامية… ؛ هذه حقائق عاشها العراقيون، لا عناوين صحفية.

في المناظرة، يُسأل الممجِّد: هل تقبل أن يُعلَّق في بلدٍ آخر صورة من قتل أبناءك؟

يصمت… ؛ لأن الصمت هنا اعتراف…!!

المشكلة ليست في اختلاف سياسي، بل في ازدواجية أخلاقية… ؛ الطغيان مرفوض عندما يقع على الفلسطيني، ومغفور عندما يقع على العراقي… ؛ الاستبداد جريمة عندما يكون الجلاد “غير عربي”، ومقبول عندما يتكلم العربية ويرفع شعارًا قوميًا وطائفيا سنيا … ؛ أي منطق هذا؟ وأي وعي سياسي يبقى بعد هذا الانقسام؟

ثم لنكن صريحين: تعليق صورة المجرم صدام في عمّان وغزة لا يكلّف شيئًا… ؛ لا سجن، لا حرب، لا حصار… ؛ هو موقف بلا ثمن، بطولة مجانية تُمارَس على حساب ذاكرة غيرك… ؛ العراقي وحده دفع الثمن، وغيره يوزّع الأوسمة…!!

يقال أيضًا: “هذه حرية تعبير”.

نعم، لكنها ليست معزولة عن أثرها… ؛ و حرية التعبير لا تعني حرية إنكار آلام الآخرين… ؛ و عندما تتحول الصورة إلى رسالة تقول للعراقي: “جلادك بطلنا”، فهذه ليست حرية، بل استفزاز أخلاقي.

ولنضع فلسطين في مكانها الصحيح، لا كذريعة… ؛ فلسطين لا تحتاج إلى المجرم صدام ليمنحها شرعية، ولا إلى طاغية ليغطي عجز الواقع العربي… ؛ ربط فلسطين بنموذج استبدادي فاشل وسفاح عميل هو إساءة للقضية قبل أن يكون إساءة للعراقيين… ؛ فالقضية العادلة لا تُحمَل على أكتاف جلادين.

في المناظرات الجادة، يُختبر المبدأ عند التناقض.

إن كنت ضد الطغيان، فكن ضده دائمًا.

وإن كنت مع الشعوب، فكن معها عندما يكون الطاغية “من جماعتك” لا فقط عندما يكون “من غيرك”.

السؤال الأخير، والأقسى: لماذا كل هذا الدفاع المستميت عن صورة؟

الجواب المؤلم: لأن الصورة أسهل من المراجعة… ؛ لأن الاعتراف بأن صدام كان طاغية يعني الاعتراف بأن الخطاب الذي مجّده كان مخطئًا… ؛ والاعتراف أصعب من تعليق صورة.

هذه ليست دعوة لإلغاء أحد، ولا لمصادرة رأي.

هي دعوة إلى الكفّ عن تلميع الطغيان، وإلى احترام ذاكرة شعبٍ لم يختر جلاده، لكنه دفع ثمنه كاملًا… .

من يريد مناظرة العراقيين في السياسة، فليبدأ بالاعتراف بحقائق تاريخهم، لا بمحوها.

ومن يصرّ على تمجيد المجرم صدام ، فليقلها بوضوح: نحن مع الرمز القومي والطائفي، ولو كان على حساب الضحية ومصالح العراق والامة والاغلبية العراقية .

حينها فقط، يصبح النقاش صادقًا.

 

اترك رد