خلف ستار السياسة معركة العقيدة في مواجهة إيران….سالم الساعدي

منبر العراق الحر :

يذهب كثيرون اليوم إلى تفسير العداء القائم بين إيران من جهة، والمعسكر الغربي المتمثل بالولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية من جهة أخرى، على أنه صراع مصالح سياسية أو اقتصادية أو تنافس نفوذ إقليمي. غير أن هذا التفسير، برأينا، يبقى سطحياً وقاصرا عن إدراك جوهر الصراع الحقيقي.

فمن خلال قراءة متأنية للتاريخ القديم والمعاصر، نجد أن أغلب الحروب، بل يكاد يُجزم أن جميعها، كانت في عمقها حروبا عقائدية، حتى وإن ارتدت في ظاهرها لبوس الاقتصاد أو السياسة أو الجغرافيا. المصالح لم تكن يوما سوى أدوات، أما الدافع العميق فكان دوما مرتبطاً بالهوية، والإيمان، والرؤية الكونية للعالم.

ولأن المعارك في التاريخ كثيرة ولا يتسع المقام لحصرها، نكتفي ببعض الأمثلة الدالة.

في التاريخ القديم، نجد معركة مجدّو التي وقعت عام 1457 قبل الميلاد، بين الفرعون تحتمس الثالث الذي كان يرى نفسه ممثلًا للآلهة على الأرض، أو ابنًا للإله آمون رع، وبين تحالف من ملوك كنعان الذين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة. ورغم أن المعركة تُدرَس عسكريا إلا أن خلفيتها العقائدية كانت حاضرة بقوة، حيث كان كل طرف يرى نفسه مدعوما بقواه المقدسة.

ثم جاءت الحروب المصرية – الحيثية، وأشهرها معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد بين رمسيس الثاني والحيثيين. هذه المعركة لم تكن مجرد صراع نفوذ، بل صراعًا تُنسب فيه الغلبة إلى رضا الآلهة، حيث كان كل جيش يقاتل وهو مؤمن بأن آلهته تقاتل معه.

أما في مرحلة لاحقة، فقد شهدنا الحروب اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية، حين كانت فلسطين تحت الحكم الروماني. رفض اليهود الوثنية الرومانية وعبادة الإمبراطور، فاندلعت الثورة اليهودية الكبرى (66–73م) التي انتهت بتدمير الهيكل الثاني في القدس، ثم ثورة بار كوخبا (132–135م). كان الصراع هنا عقائدياً بامتياز بين توحيد وعبادة أوثان.

وبعد الميلاد، ومع تبني المسيحية ديناً رسمياً في القرن الرابع، لم تتوقف الحروب، بل انتقلت إلى داخل البيت المسيحي نفسه. اندلعت صراعات بين المسيحية الأرثوذكسية والمذاهب المخالفة كـالآريوسية، واتخذت هذه الخلافات أحيانا طابعاً عسكرياً وقمعياً، هدفها تثبيت العقيدة الرسمية للدولة.

ثم جاءت الحروب بعد الرسالة الإسلامية، والتي حاول البعض تصويرها على أنها سياسية بحتة، بينما كانت في حقيقتها تحمل أبعاداً عقائدية واضحة. فقد انطلقت الفتوحات بعد استشهاد النبي محمد صل الله عليه واله في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية والفارسية الزرادشتية، بهدف نشر الدين الجديد وبناء نظام يقوم على مبادئه، مع الإقرار بوجود أهل الكتاب واحترامهم.

وتجلّى الطابع العقائدي بأوضح صوره في الحروب الصليبية (1096–1291)، حيث واجه المسيحيون الأوروبيون المسلمين في الشرق الأوسط تحت شعار الدفاع عن المقدسات والسيطرة على القدس، وكانت الحملة الصليبية الأولى مثالًا صارخًا على هذا الصراع حتى احتلال المدينة المقدسة.

ثم شهدت أوروبا نفسها الصراعات البروتستانتية الكاثوليكية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبلغت ذروتها في حرب الثلاثين عامًا (1618–1648)، حيث كان الهدف فرض العقيدة الدينية والسيطرة السياسية باسم الإيمان.

واليوم، ونحن نعيش واقعنا المعاصر، يتكرر المشهد ذاته بأشكال مختلفة. إن من يعتقد أن ما يجري اليوم بعيد عن البعد العقائدي هو واهم، لأن جوهر الصراع لم يتبدل، وإن تبدّلت أدواته وأساليبه. فإيران، ومن يقف معها من ثلة قليلة في العالم الإسلامي قياسًا إلى العدد، تُقدّم في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفها معسكرا معاديا لمشروعهما وهيمنتهما العالمية، ومعسكراً يجب تطويقه وإقصاؤه.

وخلال السنوات الأخيرة، باتت إيران تُرى من قبل شرائح واسعة من الشعوب الإسلامية على أنها تحمل راية الإسلام في زمن تخلّت فيه غالبية الأنظمة الإسلامية عن هذا الدور، كلٌّ لأسبابه وحساباته، تحت ذريعة: «لا طاقة لنا بأمريكا وإسرائيل والغرب». وقد غاب عن الأذهان قول الله تعالى:: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

فاستسلم كثيرون استسلاما كاملاً وباعوا دينهم ودنياهم، وأصبحوا أسرى للهيمنة السياسية والاقتصادية والفكرية. في المقابل، بقيت إيران، ومعها ثلّة من المتحالفين معها من منظمات وأحزاب وقوى شعبية بسيطة — لا تمثل بالضرورة حكومات الدول الإسلامية — واقفة في وجه هذا التكبر العالمي الذي يُنظر إليه بوصفه معادياً لله ورسوله، ومؤمنة بأن الله معها ما دامت ثابتة على موقفها.
إيران اليوم، ومن يقف إلى جانبها، تخوض بحسب هذا الفهم مواجهة عقائدية كبرى، صراعاً طويل النفس، قد يمتد ما دامت الحياة قائمة. وحتى لو خسرت إيران هذه المواجهة يومًا، فإن التاريخ سيكتب في صفحاته أنها ومن آمن بها وقفوا في وجه ما اعتبروه الشر ومعادي لارادة الخالق ويريد الهيمنه على المسلمين لتنفيذ خطوات الشيطان فقد ، مثّلوا معسكرا اختار المقاومة بدل الخضوع. ومن هذا المنطلق، فإن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل حرب عقائدية كبرى، معركة بين نهجين ورؤيتين للعالم: نهج يمثل محور الرحمن والخير ومحور يمثل الشيطان والشر ‘ نهج يمثل الاستسلام والخضوع، ونهج يمثل الصبر والمواجهة والثبات على الموقف. لاننا كمسلمين نؤمن بمن قبلنا وما بعدنا ان للرحمن والخير اتباع . وان للشيطان والشر اتباع ومن يرى غير ذلك، فهو في نظر هذا الطرح — لم يُبصر الحقيقة بنور البصيرة، واكتفى بالنظر إلى ظاهر الأحداث، بينما ظل الجوهر غائبًا عن قراءته

اترك رد