ترامب يكشف السر الأعظم للعراقيين : أنتم بحاجة إلى مفاوض أسطوري مثل “سافيا”!..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في خطوة دراماتيكية تُضاف إلى سجله الطويل في توزيع النصائح الذهبية على شعوب العالم خرج الرئيس السابق دونالد ترامب ليخبر العراقيين بكل هدوء وبالأسلوب الذي لا يُمكن أن يُخطئه أحد “أنتم بحاجة إلى مفاوض بارع مثل سافيا” نعم كلمة “سافيا” خرجت من فم الرجل الذي لا يكاد يمر يوم دون أن يقدم وصفة جديدة للبشرية جمعاء، كأن كل شعوب الأرض مجرد متسابقين في برنامج تلفزيوني واقعي يُسمى “من يريد أن يفاوض ترامب؟”.

لقد توقفت الدنيا للحظة حاول العراقيون في بغداد والبصرة والموصل وكل محافظات العراق أن يستوعبوا هذا التصريح العظيم مفاوض بارع مثل سافيا! هل هو معلم ياباني سري في فنون القتال الدبلوماسي؟ أم روبوت سوبر كمبيوتر صُمم خصيصًا لحل كل المشكلات المعقدة في العالم العربي؟ لا أحد يعرف لكن الأكيد أن ترامب كما العادة لم يكن يملك أي سياق حقيقي فالعراقيون بكل تقديرهم للسياسة والتفاوض لم يعرفوا يومًا أنهم كانوا في أمسّ الحاجة إلى “سافيا” قبل أن يحدد ترامب موعد الإفطار.

السخرية هنا لا تأتي فقط من فكرة الحاجة إلى “مفاوض خارق”، بل من الطريقة التي يقدّم بها ترامب وصفاته العالمية كما لو أن كل المشاكل الدولية يمكن حلها باستخدام وصفة سحرية مختصرة على تويتر فليكن هذا واضحًا : إذا كانت العراق بحاجة إلى مفاوض بارع، فهذا لا يعني أن تُلقى نصائح من رجل يعتقد أن “العالم كله يمكن بيعه بصفقة واحدة” أو ربما كان يقصدزبطريقة غير مباشرة، أن كل مفاوضات العراق يجب أن تُدار بنفس أسلوب “سافيا” الخيالي : القهوة، الابتسامة، والتفاوض تحت أضواء الشمس الذهبية مع تصفيق جماهيري على كل كلمة تُقال.

إن المفارقة الحقيقية هنا تكمن في أن ترامب الذي يُعرف بقدرته الفائقة على المبالغة في كل شيء يبدو وكأنه يعتقد أن كل مشكلة سياسية يمكن اختزالها في نصيحة واحدة قصيرة وواضحة حتى لو كانت بلا معنى فعلي “سافيا”! الكلمة التي صدرت وكأنها من فيلم خيالي، وُضعت فجأة في قلب السياسة العراقية، وكأن العراق كان ينتظر منذ عقود أن يظهر شخص مثل سافيا ليقول: “لا تقلقوا، أنا هنا لأحل كل شيء!”

وبالطبع، لم يكتف ترامب بذلك فقد أعطى العراقيين درسًا في السخرية السياسية أو بالأحرى في الهزل العالمي حين تركهم يتساءلون : هل نحتاج فعلاً إلى “سافيا” أم أننا بحاجة إلى دفتر ملاحظات صغير لنكتب فيه كل النصائح الذهبية التي يمكن للرئيس السابق أن يمنحها لنا؟ الأكيد أن العراقيين وبطريقة أو بأخرى، كانوا مضطرين للضحك على هذا التصريح، لأن استيعابه بجدية كان سيعني الدخول في نفق من السخرية السياسية الذي لا نهاية له.

وبينما كان الإعلام العالمي يتناقل التصريح ظهرت موجة من الميمات والصور الساخرة التي جمعت بين وجه ترامب المفعم بالثقة واللافتات التي تقول: “أين سافيا؟”، و”نحن مستعدون للمفاوضة الآن!”، و”شكراً يا ترامب، لم نكن نعلم أننا بحاجة إلى مفاوض أسطوري” هنا تجلت عبقرية السخرية: السياسيون الأمريكيون كما لو أنهم يعيشون في عالمهم الخاص، ينسون أحيانًا أن العالم الحقيقي مليء بالمفاوضين الحقيقيين وأن أفضل مفاوض ليس بالضرورة من يصرخ أعلى أو يظهر أكثر على شاشات التلفاز.

خاتما درس السخرية والسياسة الكبرى
وفي نهاية المطاف وبين ضحكة واستغراب ودهشة، يترك لنا ترامب، بلا قصد أو بقصد درسًا عميقًا في فن السياسة والسخرية معًا درسًا يُذكرنا بأن العالم مليء بالتصريحات التي تبدو عابرة لكنها تحمل في طياتها مزيجًا من الجنون والعبقرية المبالغ فيها وأن أفضل وسيلة للتعامل معها ليست الغضب أو الجدّية المطلقة بل المزيج الذكي من الفهم والضحك والفطنة.

لقد علمنا هذا التصريح أن السياسة ليست مجرد أوراق رسمية وأن الدبلوماسية ليست مجرد مفاوضات جافة بين حكومات بل هي فن استيعاب الأحداث والمواقف أحيانًا دون أن تأخذها على محمل الجد العراقيون كما يبدو، أصبحوا في موقف فريد : يضحكون على “سافيا” يتأملون في ما وراء الكلمة ويعرفون أن كل نصيحة عالمية مهما بدت مهمة يمكن أن تكون مجرد مزحة عبقرية تحمل في طياتها رسالة مفادها أن القوة الحقيقية تكمن في الداخل، في القدرة على قراءة الواقعزوفي التفاوض الحقيقي بعيدًا عن الأضواء والسيناريوهات الهزلية.

وبنبرة أقوى وأعلى، ندرك أن “سافيا” ليست مجرد مفاوض، بل رمز للسخرية التي تُعلمنا أكثر من أي محاضرة دبلوماسية وإنها تذكير بأن العالم مليء بالتصريحات الفارغة، وأن كل نصيحة تأتي من بعيد تحتاج إلى فحص، وفهم، وربما ضحكة صغيرة، قبل أن تُؤخذ على محمل الجد وفي هذا السياق يتحول درس ترامب من مجرد تصريح غريب إلى تجربة فلسفية في فهم السياسة السخرية والقدرة على التفريق بين العبث والجديّة، بين الواقع والخيال بين “سافيا” كرمز وبين الحقيقة التي تحتاجها أي دولة لتقف على قدميها بثقة، بعيدًا عن الأوهام والتصريحات العابرة.

وبهذا، يبقى التصريح الأعظم، وهو “أنتم بحاجة إلى سافيا” ليس مجرد نكتة أو حديث عابر بل تحفة في فن السخرية السياسية درس خالد لكل من يعتقد أن الحلول العالمية تأتي دائمًا من الخارج وأن أفضل مفاوض هو من يحمل اسماً خيالياً بينما الواقع الحقيقي ينتظر من يقرأه بعين حاذقة وابتسامة حكيمة.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد