السلام حضور للعداله…هانم داود

منبر العراق الحر :بين أروقة التاريخ المتخم بالدموع، وخلف ستائر المصالح الضيقة، تُنسج مأساة الإنسان في هذا العصر؛ حيث تشتعل الحروب، وتتفاقم المشاكل السياسية، وتستعر نيران الفتن الدينية والمذهبية والطائفية، وكأن البشرية لم تتعلم من دروس الماضي إلا فنوناً جديدة في التدمير.

مزادات النفوذ
الحرب ليست مجرد صراع مسلح، بل هي انسحاق للروح الإنسانية تحت أقدام الأطماع. فالمشاكل السياسية التي تبدأ غالباً على طاولة المفاوضات بكلمات معسولة، سرعان ما تتحول إلى قذائف تمزق أجساد الأبرياء. إنها مفارقة عجيبة؛ أن يقود العقل السياسي العالم نحو الجنون، حيث تُباع الأوطان في مزادات النفوذ، ويتحول الإنسان من قيمة عليا إلى مجرد رقم في معادلة الربح والخسارة.

العدو يبدأ بزرع الشقاق
أما الفتن الدينية والمذهبية، فهي الداء العضال الذي ينهش جسد الأمم من الداخل. فبدلاً من أن يكون الدين جسراً للمحبة والسكينة، يتم اختطافه وتطويعه ليصبح وقوداً للصراعات. إن التمترس خلف المذهبية الضيقة لا يخدم إلا دعاة الفرقة؛ فأصحاب المصالح يدركون أن تفتيت الوعي يبدأ من زرع الشقاق في المعتقد، وتحويل الخلاف الفقهي إلى صراع وجودي يسفك فيه الأخ دم أخيه باسم الحق المطلق.

جدار الطائفية العازل
الطائفية هي السجن الذي يبنيه الإنسان حول نفسه، معتقداً أنه يحمي هويته، بينما هو في الحقيقة يعزل نفسه عن فضاء الإنسانية الرحب. إنها تحول الوطن من بيت يتسع للجميع إلى زنازين متجاورة، يسودها التربص والحقد. عندما يسود المنطق الطائفي، تغيب الكفاءة، ويضيع العدل، وتصبح الهوية عبئاً بدلاً من أن تكون مصدر ثراء وتنوع.

إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بالسلاح، بل بـثورة الوعي. نحن بحاجة إلى سياسة تبني لا تهدم، وإلى فهم للدين يجمع ولا يفرق، وإلى مواطنة تحتضن الجميع دون قيد أو شرط. إن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو حضور للعدالة وترسيخ لقيم التسامح.

إن نيران الفتنة لا تفرق بين الحطب الأخضر واليابس، ومن يوقد نار الحقد اليوم سيحترق بلهيبها غداً.
هانم داود

 

اترك رد