منبر العراق الحر :
في خضمّ التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من تصريحات أميركية متناقضة تجمع بين التهديد والتهدئة، ومن ردود إيرانية محسوبة على الأرض، لم تعد الأزمة تُقرأ بوصفها اقترابًا حتميًا من الحرب، ولا مجرد جولة ضغط عابرة. ما يجري اليوم هو صراع على شكل النهاية، لا على بدايتها، حيث تُستخدم القوة والتهديد بوصفهما أدوات تفاوض ورفع سقف، لا بوصفهما إعلانًا تلقائيًا لمواجهة شاملة.
فالولايات المتحدة تلوّح بالقوة من أجل تعديل سلوك وفرض شروط، لا من أجل الذهاب مباشرة إلى حرب مفتوحة، فيما تدرك طهران أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يحقق لخصومها ما عجزوا عن تحقيقه عبر العقوبات والضغط السياسي. هذا التفاعل يعكس إدارة أزمة دقيقة أكثر مما يعكس فقدان السيطرة.
في خلفية هذا المشهد، يبرز تباين واضح بين رؤيتين داخل المعسكر الغربي نفسه:
رؤية أميركية، يغلب عليها الطابع البراغماتي، تسعى إلى تحييد النظام الإيراني وإضعافه دون إسقاطه؛
ورؤية إسرائيلية، يمثلها فكر بنيامين نتنياهو، ترى أن بقاء النظام هو أصل الخطر، وأن كسره هو الضمانة الوحيدة لأمن طويل الأمد.
وبين هاتين الرؤيتين، تتحرك إيران بعقل دولتها المزدوجة، محمّلة بخبرة تاريخية في إدارة الأزمات، قوامها المناورة، وتدوير الزوايا، والاستعداد للتضحية بالأطراف من أجل حماية المركز. في هذا السياق، يبرز العراق بوصفه ساحة التوازن الأكثر حساسية، حيث تتقاطع المصالح الأميركية، والنفوذ الإيراني، واحتمالات التسوية أو الانفجار.
من هنا، تحاول هذه المقالة الإجابة عن سؤال جوهري:
هل نحن أمام معادلة «رابح–خاسر» تُفرض بالقوة، أم أمام «رابح–رابح» غير متكافئ يُدار بالتسوية القسرية؟
الأزمة ليست حربًا… بل تفاوضًا بالقوة
رغم حدة الخطاب، لا تشير المؤشرات حتى الآن إلى قرار أميركي أو إيراني بخوض حرب شاملة. ما نشهده هو تفاوض بالقوة، فواشنطن ترفع السقف لتحسين شروطها، وتُبقي باب التهدئة مواربًا لتفادي انفجار غير محسوب، فيما تتعامل طهران مع التصعيد بوصفه اختبارًا للأعصاب، لا مقدمة لحرب وجودية.
هذا النمط يعكس إدراكًا مشتركًا بأن الحرب الشاملة ستؤدي إلى فوضى إقليمية يصعب التحكم بمآلاتها، وستهدد المصالح الاقتصادية والأمنية العالمية، وهو سيناريو لا يبدو أن أي طرف مستعد لتحمّل كلفته الآن.
أهداف واشنطن: تحييد النظام لا إسقاطه
المقاربة الأميركية، وخصوصًا في ظل الفكر الترامبي، لا تنطلق من هدف إسقاط النظام الإيراني، بل من إضعافه وتحييده عبر تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية واضحة:
أولًا، كبح البرنامج النووي عبر إطالة زمن الاختراق وفرض رقابة صارمة، لا عبر محو المعرفة النووية.
ثانيًا، تحجيم القدرات الصاروخية، باعتبارها أداة النفوذ العملياتي اليومي، من خلال تقييد التطوير ومنع نقل التكنولوجيا.
وثالثًا، تقليص النفوذ الإقليمي الهجومي، لا القضاء عليه بالكامل، بل تحويله إلى نفوذ قابل للضبط والاحتواء.
ضمن هذا الإطار، تصبح حماية المصالح الأميركية وحلفائها في العراق والمنطقة أولوية عملية، تُترجم عبر ضبط السلاح، حماية المسار المالي والدولار، ومنع استخدام الساحات الإقليمية كمنصات تهديد دائمة.
المنطق هنا واضح: واشنطن تريد نظامًا أقل خطورة، لا فراغًا إقليميًا أكبر.
نتنياهو: كسر النظام بوصفه حلًا نهائيًا
في المقابل، ينطلق الفكر النتنياهوي من فرضية مختلفة: المشكلة ليست في سلوك النظام الإيراني، بل في وجوده ذاته. من هذا المنظور، أي تسوية تُبقي النظام قائمًا، مهما كانت القيود المفروضة عليه، ليست حلًا بل تأجيلًا للخطر. لذلك يدفع هذا التيار نحو كسر النظام أو إدخاله في أزمة وجودية عميقة بوصفه الحل الوحيد حتى لو ترتّبت على ذلك كلفة إقليمية عالية. غير أن هذا الخيار، رغم جاذبيته من منظور أمني ضيق، يحمل مخاطر فوضى إقليمية وانفلات ساحات قد تعيد إنتاج الخطر بأشكال أكثر تطرفًا وأقل قابلية للاحتواء.
هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب ليس خلافًا في الأهداف، بل في محصّلة الصراع المقبولة: إدارة الخصم أم كسره.
عقل الدولة المزدوجة: كيف ترد طهران؟
أمام هذا الضغط المركّب، تتحرك طهران بعقل الدولة المزدوجة، وعبقرية الهجين الإيراني حيث تُقدَّم البراغماتية على الشعارات لا بعقل الانفعال. جوهر التفكير الإيراني في هذه اللحظة يقوم على مبدأ واضح:
ليس كل نفوذ مقدّسًا، ولا كل ساحة تستحق المواجهة حتى النهاية.
الأولوية المطلقة هي بقاء النظام، وما دونه قابل لإعادة الترتيب، أو التقليص، أو حتى التضحية المرحلية.
من هنا تأتي سياسة “حياكة السجاد“:
خيط يُشدّ هنا، وآخر يُرخى هناك، مع استعداد للتضحية بأطراف النقشة لحماية المركز. تصعيد محسوب دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ورسائل ردع دون تجاوز الخطوط الحمراء، وتنازلات جزئية يمكن إنكارها داخليًا وتسويقها كتكتيك لا كتحول استراتيجي.
في هذا الإطار، تسعى طهران إلى استثمار التباين بين الفكر الترامبي والفكر النتنياهوي. فهي تدرك أن واشنطن تبحث عن إنجاز قابل للتسويق السياسي، بينما يدفع نتنياهو نحو كسر شامل. لذلك، تعمل إيران على تغذية الفجوة بين المقاربتين: تقديم إشارات مرونة محسوبة للأميركيين، مقابل تشديد الخطاب والردع تجاه إسرائيل، في محاولة لمنع تشكّل جبهة موحّدة على “خيار الكسر” وكسب الوقت لإعادة التموضع، لا تحقيق نصر حاسم.
العراق: ساحة التوازن الحاسم
في هذا المشهد، يبرز العراق بوصفه العقدة الأكثر حساسية.
بالنسبة لإيران، هو عمق اقتصادي ومالي وسياسي، وليس مجرد ساحة عسكرية. لذلك قد تلجأ طهران، إذا اقتضت الضرورة، إلى التضحية ببعض الأذرع أو تخفيف بصمة الفصائل، مقابل الحفاظ على معادلة حكم شيعي لا تُقصيها بالكامل، وتضمن استمرار مصالحها الاقتصادية والمالية والسياسية الأساسية.
في المقابل، تنظر واشنطن إلى العراق كساحة اختبار لتحقيق أهدافها الثلاث معًا: ضبط السلاح، حماية الدولار، وحماية مصالحها وحلفائها، دون دفع البلاد إلى فوضى أو انهيار سياسي. لذلك لا تبحث عن حكومة مثالية، بل عن حكومة قابلة للتعامل، قادرة على التهدئة وضبط الإيقاع.
نجاح هذا التوازن في العراق قد يفتح باب احتواء أوسع للأزمة، وفشله قد يحوّل الساحة إلى شرارة تصعيد إقليمي لا يرغب بها أي طرف.
«رابح–خاسر» أم «رابح–رابح»؟
هنا يتبلور السؤال المركزي.
معادلة «رابح–خاسر»، الأقرب إلى الرؤية النتنياهية، قد تفرض كلفة قصوى على إيران، لكنها تحمل مخاطر فوضى إقليمية يصعب ضبطها.
أما معادلة «رابح–رابح»، الأقرب إلى الرؤية الترامبية فتقوم على تسوية قسرية: واشنطن تحقق قيودًا واضحة على النووي والصواريخ والنفوذ، وطهران تحافظ على جوهر النظام وتُعيد تموضعها بدل الانكسار.
حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن ميزان الكلفة والمصلحة يدفع باتجاه معادلة «رابح–رابح» غير المتكافئة ، تسوية مؤقتة قابلة للإدارة، لا نصر كامل ولا هزيمة كاملة. لكن هذه الصيغة تبقى هشّة، وقابلة للانهيار إذا وقع خطأ في الحسابات أو حادث خارج السيطرة.
وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
اللاعب الأكثر حذرًا هو الذي يملك فرصة البقاء.
واللاعب الأكثر اندفاعًا قد يفرض الإيقاع،
لكنه لا يضمن النهاية.
الخلاصة :
الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران ليست لحظة انفجار عابرة، ولا مجرد جولة تصعيد قابلة للامتصاص، بل منعطف استراتيجي يُعاد فيه اختبار حدود القوة وحدود العقل معًا. ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو أن جميع الأطراف تدرك، بدرجات متفاوتة، أن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز مكاسبها، وأن كلفة التسوية القسرية قد تكون أقل خطرًا من مغامرة الكسر.
واشنطن، بمنطقها البراغماتي، تبحث عن نظام إيراني أقل تهديدًا، لا عن فراغ إقليمي أكثر خطورة.
تل أبيب، بهواجسها الوجودية، ترى في بقاء النظام أصل المشكلة لا أحد أعراضها.
وطهران، بعقل دولتها المزدوجة، تحاول أن تنجو من العاصفة لا بمواجهة الريح، بل بإعادة ترتيب الأشرعة، حتى لو اضطرت إلى التخلي عن بعض الحمولة.
في قلب هذا الاشتباك، يبرز العراق بوصفه مرآة التوازن الممكن. نجاح ضبطه يعني إمكانية إدارة الصراع بأدوات سياسية وأمنية محدودة، وفشله يعني انزلاق المنطقة إلى مسارات لا يملك أحد السيطرة عليها بالكامل. من هنا، لا يعود العراق تفصيلًا، بل مؤشرًا مبكرًا على اتجاه الأزمة برمتها.
الاختيار بين معادلة «رابح–خاسر» و «رابح–رابح» ليس أخلاقيًا، بل حسابي بامتياز. التاريخ القريب في المنطقة يعلّم أن الانتصارات الكاملة نادرة، وأن الكسر غالبًا ما يولّد فوضى تتجاوز حدود الخصم. في المقابل، التسويات غير المتوازنة قد لا تُرضي أحدًا بالكامل، لكنها تُبقي الباب مفتوحًا أمام إدارة الصراع بدل انفجاره.
في النهاية ،الأزمة الحالية ليست سباقًا إلى الحرب، بل صراعًا على نهاية يمكن التعايش معها. في مثل هذه اللحظات، لا يُقاس النجاح بمن يرفع سقف التهديد أكثر، بل بمن يفرض نهاية أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار.
ففي صراعات من هذا النوع،
لا ينتصر من يكسر خصمه أولًا،
بل من يعرف متى يتوقف…
ومتى يترك خصمه واقفًا، لكن مُقيَّدًا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر