منبر العراق الحر :
ليست الحدود بين العراق وسوريا مجرد خطٍ فاصلٍ بين دولتين، بل هي مساحة مكشوفة لتاريخٍ طويلٍ من الاختلال، ومرآة صافية لأزمة أعمق من الأمن والعسكر هناك على امتداد الصحراء التي تبدو ساكنة لكنها لا تعرف النوم، تتداخل الأسئلة الكبرى : من يملك الأرض؟
من يحمي الإنسان؟
ومن يقرر مصير الجغرافيا حين تتراجع الدولة خطوةً إلى الخلف؟
منذ سنوات وهذه الحدود تعيش حالةً رمادية لا هي حربٌ معلنة ولا سلامٌ مستقر حالة تُرهق المجتمعات وتستنزف الدول وتحوّل المكان إلى ساحة انتظار طويلة لمواجهة مؤجلة أو تسوية لم تولد بعد فبعد انهيارات متتالية أصابت بنية الدولة في العراق منذ 2003 ثم الزلزال السوري بعد 2011 تحولت هذه التخوم إلى فراغٍ سياسي وأمني والفراغ – كما علمتنا تجارب المنطقة – لا يبقى خاليًا بل يُملأ بقوى متناقضة المصالح، متغيرة الولاءات لا ترى في الإنسان سوى تفصيلٍ هامشي ولا في الأرض سوى ممر أو ورقة ضغط.
هذه الحدود لم تُغلق يومًا بالمعنى الحقيقي لأنها لم تُبنَ على أساس اجتماعي أو تاريخي متماسك، بل رُسمت ذات يوم بقلمٍ بعيد عن المكان وأهله والعشائر الممتدة والطرق القديمة، وحركة التجارة والعيش المشترك، جعلت من الخط الحدودي فكرة إدارية أكثر منه واقعًا صلبًا ومع ضعف الدولة، تحولت هذه المرونة الاجتماعية إلى هشاشة خطرة، فصارت الصحراء ممرًا مفتوحًا لكل ما لا تريده الدولة ولا تعترف به القوانين. وما يجري اليوم ليس انفجارًا مفاجئًا، بل تراكم طويل لسنواتٍ من الإهمال والتعامل المؤقت، والحلول الترقيعية التي تؤجل الانفجار ولا تمنعه
وفي هذه المساحة، يتداخل المحلي بالإقليمي والدولي بطريقة تجعل القرار الوطني مثقلاً ومحدود الحركة وأطراف كثيرة ترى في هذه الحدود ما هو أبعد من العراق وسوريا : ممر نفوذ، أو خط دفاع أو ساحة رسائل متبادلة ومع كل توتر، يُعاد اختبار التوازنات، وتُقاس ردود الأفعال فيما يبقى سكان القرى الحدودية، وأبناء البادية والنازحون خارج حسابات الربح والخسارة الكبرى والإنسان هنا لا يظهر في البيانات ولا يُستشار في الخرائط، لكنه يدفع الثمن كاملًا: خوف دائم، اقتصاد مشلول، تعليم متقطع، وحياة معلّقة على احتمالات لا يملك تغييرها.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن الهدوء لا يعني أمانًا، كما أن التصعيد لا يكون دائمًا نتيجة حادثٍ آني فكثيرًا ما يكون الصمت إعادة تموضع، ويكون الضجيج رسالة سياسية أكثر منه معركة فاصلة وهذه الطبيعة الرمادية للصراع هي الأخطر، لأنها تُطيل أمد الاستنزاف، وتحوّل الحدود إلى جرحٍ مفتوح لا يلتئم، ويجعل من السيادة سؤالًا مؤجلًا، ومن الدولة مشروعًا غير مكتمل.
في النهاية، ما يجري على حدود العراق مع سوريا ليس أزمة حدود فحسب، بل اختبار قاسٍ لفكرة الدولة نفسها في المشرق وهو امتحان لقدرتها على أن تكون أكثر من راية ونشيد، وأن تتحول إلى حماية فعلية للإنسان قبل الأرض. فالجغرافيا، مهما كانت قاسية، لا تتحول إلى خطر إلا حين تُترك بلا قرار، وبلا رؤية، وبلا مشروع سياسي جامع وهذه الحدود تكشف، بوضوح مؤلم، أن الحلول الأمنية وحدها لا تصنع استقرارًا وأن النقاط العسكرية، مهما كثرت، لا تعوض غياب الثقة بين الدولة ومواطنيها ولا تُنهي صراعًا جذوره سياسية واجتماعية واقتصادية بقدر ما هي أمنية.
إن استمرار التعامل مع هذه التخوم بوصفها ملفًا ثانويًا أو ساحة هامشية يعني استمرار نزيفٍ صامت سيطال عمق الدولتين عاجلًا أم آجلًا فالحدود ليست أطراف الجسد، بل أماكن حساسة إذا مرضت، انتقلت العدوى إلى القلب. وما لم يُعاد تعريف السيادة بوصفها مسؤولية تجاه الإنسان قبل أن تكون سيطرة على الأرض، ستظل هذه المنطقة تعيش على إيقاع الخطر المؤجل وسيبقى الاستقرار مؤقتًا، هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار.
إن مستقبل هذه الحدود لا يُبنى بالسلاح وحده، ولا بالإنكار، ولا بتحميل الخارج كل المسؤولية، بل بإعادة بناء الدولة من الداخل، وبإشراك المجتمعات المحلية في صناعة الأمن، وبالاعتراف أن الإنسان الحدودي ليس مشكلة أمنية بل مفتاح حل دون ذلك، ستظل الصحراء أكثر يقظة من السياسة، وستبقى الجغرافيا أقوى من القرار، وستبقى الحدود العراقية-السورية شاهدًا حيًا على أن الخرائط التي لا تحمي البشر، تتحول مع الوقت إلى خطوط نار لا تنطفئ.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر