منبر العراق الحر :
كنتُ أشاهد صور الفريق الذي استخرج من تنورٍ طيني رماد خمسة ملايين دولار، أحرقتها زوجة وشقيقة المجرم عدنان الجميلي لإخفاء جريمة السرقة. وخلال ذلك تداعت إلى ذاكرتي صور عام 1979؛ حريق الكتب والصحف والصور والمنشورات التي أحرقناها في تنور البيت، ذلك التنور الذي كانت أمي تخبز فيه يومياً خبز المائدة، كانت أمي تقول، عندما غبت عن البيت.. بقيت رائحة الكتب والأفكار المحترقة تختلط برائحة الخبز، والدخان الذي كان يملأ سطح المنزل له رائحة غريبة طيبة، كانت تخاف أن يتشممها كلاب السلطة ويستدلون على التنور !
ثم زحفت إلى الذاكرة رواية 451 فهرنهايت للكاتب الأمريكي Ray Bradbury، “راي برادبري ” وحكاية رجال الإطفاء الذين كانوا يداهمون البيوت لإحراق الكتب التي يعدّها النظام مصدراً للشر والأفكار المتمردة. غير أن أحدهم يبدأ بقراءة تلك الكتب والاحتفاظ بها حتى تتحول إلى مكتبة كبيرة، فيصدر الأمر بإحراق بيته هو نفسه. وما تزال صور فيلم” سارقة الكتب” The Book Thief عالقة في الذاكرة أيضاً.
واليوم تقتحم الذاكرة صورة أخرى، شاذة وغريبة ، لم يفعلها سوى تاجر المخدرات العالمي “بابلو اسكوبار” في واحدة من غرائبه، ثم حريق الدولارات العراقية في تنورٍ من طين! إنه حريق يكشف الفارق الأخلاقي والثقافي والإنساني بين مجتمع يكافح من أجل إنقاذ كتاب تريد الأنظمة الفاشية إحراقه، ومجتمع فاسد يحرق ملايين الدولارات لإخفاء جريمة سرقة المال العام، في وقت يعاني فيه مرضى الأمراض المزمنة من شح الأدوية ورداءتها، ويفتقر الأطفال إلى المدارس، ويقف مئات الآلاف من الخريجين والعاطلين عن العمل على هامش الحياة، فيما تطول قائمة الأزمات حتى تبدو بلا نهاية.
إن الحرائق والروايات تمنحنا فهماً أعمق لطبيعة المجتمعات والأنظمة السياسية، فهذه الحرائق جميعاً، سواء كانت للكتب أم لملايين الدولارات، هي نتاج سلطات فاسدة وفاشية تفتقر إلى الضمير والشرف الإنساني، لكن ثمة سلوكاً يحوّل الحرائق إلى معانٍ سامية ورفيعة، وثمة سلوك آخر يجعلها دليلاً إضافياً على تعاظم الجريمة وانحطاط القيم.
فالدولارات المحروقة، أو المدفونة في المزارع، لا تختلف كثيراً عن الدولارات التي تُنثر على رؤوس الراقصات والعاهرات، فجميعها تمثل، بصورة أو بأخرى، ثمناً لموت مرضى السرطان والفشل الكلوي بسبب نقص الرعاية الصحية والدواء في بلاد تُحرق فيها ملايين الدولارات!
إنها أزمة أخلاقية كبرى وفساد مطلق، يتغذى على وعي انتهازي وانتقامي عبّر عنه أحد رؤساء البرلمان السابقين عندما قال: «نحن مقاولون للتفليش، وبقدر ما نأخذ مالاتنا». وكان يقصد حصته من المال العام. وهكذا تشاركت الأحزاب والطوائف الحاكمة في استلاب العراق وتدمير مقدراته وإفقار أهله.
فماذا يحتاج الشعب، بعد كل هذا الخراب، لكي يضع حداً للفاسدين ويستعيد حقوقه؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر