كربلاء ومقاولات السياسة…. كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
حين يرتدي الطغيان عباءة الضحية، تصبح الذاكرة ساحة المعركة الأولى. في كل عام، مع إطلالة عاشوراء، تتشح المدن بالسواد، وترتفع الرايات التي تحمل اسم رجل خرج طالباً للإصلاح، لكن المفارقة الأكثر إيلاماً في واقعنا المعاصر، وبعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً من التغيير، هي أن بعض أصحاب النفوذ اليوم هم أنفسهم من يعيدون إنتاج شروط مقتله، عبر تحويل الثورة الإنسانية الكبرى إلى مجرد صك غفران سياسي يُغسل به الفساد.
إن المتأمل في التاريخ الإسلامي يدرك أن المأساة لم تبدأ في طف كربلاء، بل بدأت في الكوفة؛ تلك المدينة التي أرسلت آلاف الرسائل تقول “أنْ أقدمْ فقد أينعت الثمار”، وحين حانت لحظة الحقيقة، خذلت السيوف صاحب الرسالة. هذا التناقض النفسي الجماعي أنجب عبر التاريخ ما يُعرف بحركة “التوابين” بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، والذين اختاروا البكاء والتكفير العاطفي عن الذنب بدلاً من بناء بديل عادل. واليوم، يبدو المتنفذون حريصين على إبقاء الجماهير في تلك “الشرنقة النفسية”؛ شرنقة التوابين الذين يستعذبون الشعور بالإثم التاريخي، لأن الإنسان الآثم لا يطالب بالعدالة أو بالخدمات أو بكرامته المهدورة، بل يطالب فقط بالغفران.
هنا تكمن اللعبة التي استمرت لأكثر من عقدين؛ لقد جرى تحويل الحسين من ثائر ضد الاستئثار بالثروة، إلى “مؤسسة” تدر الشرعية على أمراء الطوائف. وفي كل محرم، تتجلى هذه اللعبة بأبشع صورها عبر شاشات المحطات التلفزيونية المملوكة لأصحاب القرار؛ حيث تتحول الشاشات إلى سرادق عزاء مفتوحة، تنقل مجالس اللطم والبكاء في حفل منظّم لذر الرماد في عيون البسطاء، وتغطية عورات الفشل الخدمي والتنموي بدموع الضحايا. إنها الجدلية التاريخية الدائمة: خطاب المتنفذين يريد الحسين جثة تبكى على الشاشات، بينما خطاب العامة يريده حياً يرفض الظلم في الشوارع. كيف يستقيم أن يتباكى صاحب نفوذ أو مسؤول على عطش أطفال الحسين، في حين تعجز مصافي دولته عن توفير قطرة ماء صالح للشرب لأطفال البصرة أو الثورة؟ كيف يلطم على ضياع العدالة مَن يملك في أرصدته المليارات المهربة من قوت الأرامل واليتامى؟
لقد أنتجت التجربة الممتدة منذ عام 2003 فئة من المتنفذين استمرؤوا دور الضحية وتستروا به، لكنهم في الحقيقة يعيدون إنتاج ذات السلوكيات الإقصائية القديمة. إن القتل الأخطر للحسين ليس الذي جرى عام 61 للهجرة بالسيف، بل هو القتل المعنوي المتمثل في تحويل مبادئه الإنسانية العظمى إلى شعارات انتخابية ومقاولات سياسية رابحة. لقد استطاعت تلك الوجوه، التي تهيمن على المشهد منذ عقدين، أن تختزل أحلام شعب كامل كان يتطلع للحرية وبناء دولة المؤسسات، لتجعل أقصى طموح المواطن البسيط هو الحصول على لقمة العيش وتأمين قوت يومه، وسط أجواء معقدة تتداخل فيها المصالح والتدخلات الخارجية التي تبحث عن نفوذها تحت مسميات وعناوين براقة.
إن ثورة الحسين كانت صرخة لوعي الفرد وعتق إرادته، حين قال لأصحابه في ليلة العاشر: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً”، كان يمنحهم حرية الاختيار والكرامة، ولم يطلب منهم زحفاً ولا عويلاً بلا وعي. لكن بعض قادة الكتل والأحزاب اليوم يريدون العكس تماماً؛ إنهم يعملون على تأصيل الأزمات وإدامتها لأنهم يقتاتون عليها وتضمن بقاءهم، ويريدون في ذات الوقت مجتمعاً مغيباً بالقصص والأوهام، يغرق في طين الأزمات اليومية ليكفر عن ذنب تاريخي لم يقترفه، في حين يذهب “لصوص الهيكل” إلى قصورهم المحصنة وراء الجدران الكونكريتية ليتقاسموا عقود النفط والميزانيات الانفجارية المنهوبة.
لقد دونت الذاكرة الشعبية الحقيقية أسماء الأدباء والمفكرين والمثقفين والفنانين الذين قضوا غربه في المنافي والفقر، ودفنوا بعيداً عن تراب وطنهم، لأن المنظومة القائمة غير مستعدة لاستيعاب تلك الطاقات الواعية، ولأن هؤلاء المبدعين رفضوا أن يكونوا شهود زور في حفلات التطهير الشكلي التي تقيمها الجهات المتنفذة لتلميع صورتها. إن الحساب التاريخي لا يموت بالتقادم، والمعركة الحقيقية اليوم ليست بين طائفة وأخرى، بل هي معركة الوعي ضد التزييف، معركة المبادئ الحسينية الإنسانية السامية ضد تجارة المقاولين السياسيين. ومهما طال ليل الحرمان والنهب، فإن صرخات الجياع والمحرومين هي الترتيل الأصدق لواقعة الطف، أما مديح اللصوص فلن يورث أصحابه إلا مزبلة التاريخ.

اترك رد