فلسفه السرد في عالم نجيب محفوظ **** ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
يجيء هذا المقال في سياق احتفاء معرض القاهره الدولي للكتاب باحد اكبر رموز السرد العربي الكاتب القدير نجيب محفوظ لا بوصفه اسما ادبيا عابرا في تاريخ الروايه بل باعتباره وعيا ثقافيا تشكل في قلب المجتمع وعبر عن اسئلته العميقه وهمومه المكتومه وتحولاته القاسيه
فالاحتفاء بنجيب محفوظ ليس استدعاء لذكري كاتب رحل بقدر ما هو استدعاء لعالم ما زال حيا في وعينا الجمعي عالم الحاره والناس البسطاء والاسئله المؤجله التي لم تفقد راهنيتها بعد في زمن تتغير فيه الاشكال وتبقي الازمات كما هي
ومن هنا تاتي هذه الكتابه لا كتقديم احتفالي تقليدي ولا كقراءه اكاديميه بل كمحاوله للانصات الي صوت نجيب محفوظ وهو يعبر من خلال ادبه عن الانسان الكادح وعن صراعه مع القهر والقدر والمعني وعن تلك الفلسفه التي تسللت الي رواياته بهدوء دون ادعاء
لم يكن نجيب محفوظ حكاء حارات فحسب بل كان فيلسوفا يفكر بالسرد. ويكتب بلغه البسطاء
جعل من الحاره كونا مصغرا. ومن الانسان الكادح مركزا للوجود. ومن التفاصيل اليوميه ماده للاسئله الكبرى الحريه. العداله. القدر. الايمان والعبث
في عالم محفوظ لا تسكن الحاره في الهامش بل في القلب انها ليست مكانا جغرافيا بل بنية رمزيه
مسرحا اخلاقيا تتصارع فيه الارادات وتتكشف فيه تناقضات الانسان
الحاره عنده تشبه المدينه الفاضله المقلوبه لا تحكمها الفضيله بل تحكمها المصالح الخوف الطموح والبحث الدائم عن الخلاص ولهذا بدت حاراته اقرب الى الحياه من اي فلسفه مجردة
الانسان الكادح هو البطل الحقيقي في ادب نجيب محفوظ ذلك الانسان الذي لا يمتلك رفاهيه التفكير النظري لكنه يعيش الفلسفه في اقسى صورها
في زقاق المدق وخان الخليلي وبدايه ونهايه نرى الكائن البشري محاصرا بالفقر والقدر ويجبر على الاختيار بين البقاء والكرامه هنا تتحول الفلسفه من سؤال ذهني الى تجربه معيشه ومن تامل نخبوية الى معاناه يوميه
اما ثلاثيته الخالده بين القصرين قصر الشوق السكريه فهي ليست فقط ملحمه عائليه بل سرديه كبرى لتحولات الوعي المصري فيها يختبر محفوظ الزمن بوصفه قوه فلسفيه عمياء تهدم اليقين وتعيد تشكيل الإنسان.
الاجيال تتغير.. الافكار تسقط. والسلطه الابويه تتاكل ليحل محلها سؤال الحريه الفرديه بكل ما يحمله من قلق وتيه
الفلسفه في روايات نجيب محفوظ لا تقدم كمذهب بل كحيره
في اولاد حارتنا تتجسد الاسئله الميتافيزيقيه في حكايه رمزيه جريئه. الانسان في مواجهه السلطه. والمعرفه في صراع مع القهر.
اما في اللص والكلاب فيدخل محفوظ منطقه الوجوديه الصريحه حيث الانسان مطارد بالذنب محكوم بالفشل باحث عن عداله لا تتحقق
نجيب محفوظ لم يكن منحازا للاجابات بل للاسئله و لم يجمل الواقع ولم يدن الانسان بل فهمه
لقد منح محفوظ الصوت لمن لا صوت لهم. والكرامه السرديه لمن سحقهم التاريخ
كتب عن الانسان العادي وكانه استثناء كوني وعن الحاره وكانها مركز العالم ومن هنا جاءت عظمته
وحين نعيد قراءه نجيب محفوظ اليوم ندرك ان عظمته لم تكن في الحكايات التي رواها بل في المساحه التي فتحها للتفكير في ان نري انفسنا بلا اقنعه وان نواجه هشاشتنا واخطاءنا واحلامنا المكسوره دون تجميل او ادعاء بطوله زائفه

اترك رد