المسار العراقي : من الدولة إلى الغنيمة….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر : يُعَدّ الفساد في العراق من أخطر الظواهر التي واجهت الدولة والمجتمع في العصر الحديث، ليس فقط لأنه استنزف المال العام وبدّد الثروات، بل لأنه تحوّل عبر السنين إلى منظومة معقّدة متشابكة تداخل فيها السياسي بالإداري والحزبي بالاقتصادي والديني بالاجتماعي، حتى غدا الفساد جزءًا من بنية الدولة لا مجرد انحراف عارض أو حالات فردية وإن الحديث عن الفساد في العراق ليس حديثًا عن أرقام مهدورة فحسب، بل عن مشروع دولة تعطّل وعن مجتمع أُنهك وعن ثقةٍ انهارت بين المواطن ومؤسساته.

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عرفت البلاد أشكالًا متفاوتة من الفساد، شأنها شأن كثير من الدول النامية إلا أن هذا الفساد كان في أغلب مراحله محدود التأثير تحكمه سلطة مركزية قوية وتردعه – نسبيًا – قوانين صارمة أو أعراف إدارية غير أن التحوّل الجذري الذي شهده العراق فتح الأبواب على مصاريعها أمام فساد غير مسبوق، فساد لم يعد استثناءً بل أصبح قاعدة ولم يعد يُمارَس في الخفاء بل في العلن، ولم يعد محصورًا بصغار الموظفين بل امتدّ إلى أعلى هرم السلطة
وقد أسّس الاحتلال وما تلاه من تفكيك لمؤسسات الدولة، وحلّ للجيش، وانهيار للنظام الإداري، بيئة مثالية لتفشي الفساد.

فالدولة التي تُسلب أدواتها الرقابية، وتُفكك أجهزتها، وتُدار بعقلية المحاصصة تتحوّل تلقائيًا إلى ساحة مفتوحة لتقاسم الغنائم وهكذا لم يُنظر إلى الدولة بوصفها كيانًا جامعًا يخدم المواطنين، بل بوصفها موردًا يجب اقتسامه بين القوى السياسية، كلٌّ بحسب حجمه ونفوذه.

المحاصصة الطائفية والقومية شكّلت الإطار البنيوي الأوسع للفساد فعندما تُقسَّم الوزارات والمؤسسات على أساس الانتماء لا الكفاءة يصبح المنصب وسيلة للتمكين الحزبي لا للخدمة العامة فالوزير لا يرى نفسه مسؤولًا أمام الشعب، بل أمام الحزب أو الكتلة التي جاءت به، والمدير العام لا يخضع لمعيار الإنجاز، بل لمعيار الولاء في ظل هذا الواقع، تحوّلت الوزارات إلى إقطاعيات سياسية، لكل منها شبكتها الخاصة من المنتفعين والسماسرة والمتعاقدين الوهميين.

ومن أخطر أشكال الفساد في العراق الفساد المالي المرتبط بالعقود الحكومية فالعراق بوصفه بلدًا نفطيًا، يمتلك ميزانيات ضخمة خاصة في سنوات ارتفاع أسعار النفط، لكن هذه الميزانيات لم تُترجَم إلى بنى تحتية حقيقية أو خدمات مستدامة ومشاريع بمليارات الدولارات بقيت حبرًا على ورق أو أُنجزت بنسب ضئيلة، أو نُفّذت بمواد رديئة لا تصمد أمام الزمن وغالبًا ما كانت العقود تُمنح لشركات وهمية أو حديثة التأسيس مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بمسؤولين نافذين.

الفساد الإداري لا يقل خطرًا عن الفساد المالي، إذ يتجلّى في الرشوة، والابتزاز وتعطيل المعاملات، وبيع المناصب والتعيينات الوهمية فالمواطن العراقي وجد نفسه مضطرًا في كثير من الأحيان إلى دفع رشوة للحصول على حقه الطبيعي، سواء كان معاملة بسيطة أو وظيفة، أو حتى خدمة صحية ومع مرور الوقت تطبّع المجتمع مع هذه الممارسات القسرية لا لأنها مقبولة أخلاقيًا بل لأنها أصبحت الوسيلة الوحيدة لتسيير شؤون الحياة في ظل دولة عاجزة أو متواطئة.

أما الفساد السياسي، فهو الأخطر والأعمق لأنه يوفر الغطاء لبقية أنواع الفساد ويتمثل هذا النوع في استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، وفي حماية الفاسدين من المساءلة وكثير من ملفات الفساد الكبرى في العراق فُتحت ثم أُغلقت دون محاسبة حقيقية، إما بسبب الضغوط السياسية أو بسبب التهديد والتسويف.

الآثار الاجتماعية للفساد كانت مدمّرة فقد عمّق الفساد الفجوة بين الطبقات وخلق أقلية ثرية فاحشة الثراء مقابل أغلبية تعيش الفقر أو الهشاشة الاقتصادية كما ساهم في تآكل القيم الأخلاقية، حيث شعر كثير من الشباب بأن النزاهة طريق مسدود وأن النجاح لا يتحقق إلا عبر المحسوبية والالتفاف على القانون وهذا الإحباط الجمعي انعكس في موجات الهجرة، وفي تصاعد الاحتجاجات، وفي انهيار الثقة بكل ما هو رسمي.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد عطّل الفساد التنمية وأضعف الاستثمار وبدّد الفرص فالمستثمر الأجنبي لا يمكن أن يعمل في بيئة تفتقر إلى الشفافية ولا تحمي العقود كما أن الاعتماد المفرط على النفط مع غياب إدارة رشيدة للموارد جعل الاقتصاد العراقي هشًا رهين تقلبات السوق العالمية دون بدائل إنتاجية حقيقية.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن القول إن المجتمع العراقي استسلم للفساد فقد شهدت السنوات الأخيرة حراكًا شعبيًا واسعًا عبّرت فيه الجماهير وخاصة الشباب عن رفضها الصريح للفساد والمحاصصة وهذه الاحتجاجات على الرغم من القمع والتحديات أعادت وضع قضية الفساد في صدارة النقاش العام وكسرت حاجز الصمت والخوف، وأكدت أن الوعي الشعبي يتقدم وإن ببطء.

إن مكافحة الفساد في العراق ليست مهمة تقنية فحسب، بل هي مشروع وطني شامل يبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة وتفعيل الرقابة الحقيقية وحماية المبلّغين والصحفيين وتجفيف منابع التمويل غير المشروع وحصر السلاح بيد الدولة وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية في التربية والتعليم والإعلام كما أن الإرادة السياسية الصادقة تبقى العامل الحاسم فالقوانين موجودة لكن تطبيقها هو الغائب الأكبر.

وفي الختام يمكن القول إن الفساد في العراق ليس قدرًا محتومًا ولا لعنة أبدية بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية يمكن تفكيكها بإرادة واعية وشجاعة فالعراق بلد غني بموارده عميق بجذوره الحضارية حيّ بشعبه وما لم يُستأصل الفساد من جذوره سيبقى هذا البلد يدور في حلقة مفرغة من الأزمات أما إذا تحقّق الإصلاح الحقيقي فإن العراق قادر رغم كل الجراح على النهوض من جديد وبناء دولة تليق بتاريخه وتضحيات أبنائه.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد