ازدواجية المعايير في التضامن القومي والطائفي والديني : بين القبول والاستنكار … رياض سعد

منبر العراق الحر :

يُعدّ التضامن بين أبناء القومية الواحدة أو الدين الواحد أو الطائفة الواحدة ظاهرة إنسانية قديمة، تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الجغرافيا والقوانين المحلية ، وتتقدّم على مفاهيم الدولة الوطنية والمواطنة الحديثة… ؛ وهو سلوك يمكن رصده بوضوح في مختلف المجتمعات والأمم والشعوب ، حيث يميل الإنسان بطبعه إلى نصرة من يشاركه الهوية أو الدين أو الانتماء الثقافي والعرقي ، خاصة في أوقات الأزمات والكوارث والصراعات… ؛ فما أن تَحدث حادثةٌ تُصيبُ جماعةً بشريةً في مكانٍ ما من العالم، حتى تهبَّ جماعاتها المماثلة في كل مكان، مدفوعةً بغريزة التماسك والتضامن… ؛ و هذه ظاهرةٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ فطريةٌ وشائعة، تتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة الوطنية .

نعم , في عالم تحكمه المصائر الجمعية والهويات الكبرى قبل القيم المحلية الضيقة والمبادئ والقوانين الوطنية المعلنة، لا يبدو التضامن القومي والعرقي او الديني والطائفي ظاهرة استثنائية، بل هو سلوك متجذر في التاريخ السياسي والاجتماعي للبشر… ؛ فحين تهتز جماعة ما تحت وطأة الخطر، تسقط الشعارات المحلية والقوانين الوطنية المقيدة ؛ وتعلو لغة الانتماء الاول العابر للحدود : الدين او القومية او الطائفة… ؛ هذا ما تثبته الوقائع والاحداث القديمة والحديثة على حد سواء، دون مواربة او تجميل.

اذ لم ينته الاصطفاف المسيحي عند الحروب الصليبية الاجرامية , بل استمر الى يومنا هذا … ؛ فالمسيحيون في أوروبا والأمريكيتين ما أن يشعروا بتهديدٍ لأبناء دينهم في الشرق حتى تعلو أصواتُ التنديد وتُرفَعُ شعاراتُ الدعم، وكأنهم جسدٌ واحد.

ففي الحادي عشر من ايلول، وما ان سقط برجا التجارة في الولايات المتحدة، حتى جرى تحميل المسلمين وزر الجريمة، فشهد العالم الغربي المسيحي حالة اصطفاف شبه مطلق… ؛ اذ لم يكن الامر مجرد تعاطف انساني مع الضحايا، بل تحول سريعا الى حملة سياسية واعلامية وعنصرية عارمة، شرعنت الحروب، وغطت الغزو، وامنت الغطاء الاخلاقي لسياسات الاقصاء والتجريم بحق المسلمين والعرب… ؛ فالكنائس والاحزاب ووسائل الاعلام وقفت صفا واحدا، ولم يسأل احد عن الفروق بين مسلم ومسلم، ولا بين مذنب وبريء… ؛ وهذا الموقف ليس سوى حالة من عشرات الحالات المشابهة التي تظهر تجانس رد الفعل الجماعي و سرعة التكاتف حين يمسّ الخطر هوية جامعة… ؛ ناهيك عن التواطؤ المسيحي , بشقيه الغربي والشرقي , ازاء الجرائم الصربية البشعة والمرتكبة بحق مسلمي البوسنة والهرسك , وغيرها الكثير … .

والأمر ذاته يظهر في مشاهد أخرى أكثرَ حِدَّة، حيث تتعالى الأصوات البوذية في بورما دفاعًا عن “هويتها” و”أرضها” , و تبرير جرائم الجيش البورمي بحق مسلمي بورما ، مُشَكِّلَةً جبهةً صلبةً ضد أقلية مسلمة مسالمة ، وكأنَّ التعاطف القومي والديني حدودُه عند حافة الإيمان الواحد… ؛ نعم , شهدنا في بورما كيف تواطأت البوذية مع السلطة السياسية والعسكرية ضد مسلمي الروهينغا… ؛ رهبان بوذيون، يفترض فيهم الزهد والسلام، قادوا حملات تحريض علني، وباركوا القتل والحرق والتهجير، تحت شعار حماية الهوية البوذية …!!

 

وفي الهند، يَبرُزُ المشهدُ بشكلٍ أكثر وضوحًا، فالتضامن الهندوسي العابر للولايات والطبقات يشكِّلُ قوةً سياسيةً واجتماعيةً ضاربة، تتحرَّك ككتلةٍ واحدةٍ في مواجهة ما تراه تهديدًا، دون أن يواجه هذا التجمع اتهاماتٍ بالتبعية لدولةٍ أجنبيةٍ أو التفكيكِ للنسيج الوطني… ؛ إنَّ هذا النمط من التلاحم يُقدَّمُ في الإعلام العالمي وفي الخطاب السياسي، غالبًا، كردٍّ طبيعيٍ أو حتى كحقٍ من حقوق الهوية.

نعم , ولم يكن المشهد مختلفا في الهند، حيث اصطف التيار الهندوسي القومي، سياسيا وشعبيا، ضد المسلمين، فشرع في سن القوانين الاقصائية، وغض الطرف عن المذابح، بل وشارك فيها احيانا، دفاعا عن هوية هندوسية متخيلة ترى في المسلم جسما دخيلا مهما بلغت جذوره في الارض الهندية…!!

والأمر ذاته ينسحب على المسلمين السنّة؛ فما إن يتعرّض السنّة في بلد ما للخطر أو الأذى، حتى تتعالى أصوات الاستنكار والشجب في مختلف أصقاع المعمورة، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى الدعوة العلنية للنصرة أو حتى إعلان الجهاد، بصرف النظر عن التعقيدات السياسية أو السيادية أو اختلاف السياقات المحلية… ؛ فالتضامن السني الطائفي والعابر للحدود لا يخفى على احد… ؛ فما ان يتعرض السنة في بلد ما لتهديد او اعتداء، حتى تنطلق موجات الشجب والاستنكار، ويتحول الامر في بعض الاحيان الى تعبئة عامة، سياسية واعلامية وعسكرية، تحت عناوين النصرة والدفاع عن اهل السنة، دون ان يثير ذلك استغرابا او اتهاما بالخيانة او العمالة أو التدخل في الشؤون الداخلية لهذا البلد او ذاك .

وكذلك الحال بالنسبة للعرب؛ إذ ما إن يتعرّض بلد عربي أو نظام سياسي عربي لتهديد خارجي، حتى نشهد اصطفافًا عربيًا، رسميًا وشعبيًا، في مواجهة ذلك الخطر، حتى وإن كان النظام المعنيّ متورطًا في الاستبداد أو الإجرام، كما حصل في مواقف كثيرة، أبرزها التعاطي العربي مع النظام الصدامي الاجرامي سابقًا، حيث طغى الانتماء القومي على أي اعتبار أخلاقي أو إنساني آخر.

فالعرب بدورهم لم يكونوا يوما استثناء… ؛ فقد اصطفوا مرارا خلف انظمة او دول عربية، فقط لأنها عربية، حتى وان كانت تلك الانظمة غارقة في الاستبداد والدم والاجرام والظلم والدكتاتورية … ؛ اذ كان الانتماء القومي كافيا لتعليق العقل، وتبرير الجرائم، واعتبار اي نقد خيانة للامة العربية …!!

ولا يختلف الأكراد في هذا السياق؛ فقد أعلنوا، ولا يزالون، حالة تعبئة عامة للدفاع عن أكراد سوريا وقواتهم فضلا عن دعم المعارضة الكردية في ايران وتركيا ، دون اعتراف فعلي بالحدود السياسية القائمة والقوانين المحلية والحكومات الوطنية المركزية … ؛ بل سبق لحكومة إقليم كردستان أن منحت الجنسية لأكراد من تركيا وإيران وسوريا، وقدّمت الدعم لحزب العمال الكردستاني في تركيا، وساعدت أكراد إيران، في تأكيد واضح على أن القومية الكردية لديهم تعلو على القوانين المحلية والهويات الوطنية وحدود الدول السيادية … .

فالأكراد جعلوا من القومية معيارهم الاعلى… ؛ اذ لم يعترفوا يوما بحدود رسمتها دولهم , و لم يخضعوا لحكوماتهم المركزية ، فتكاتفوا عبر الدول، وجنسوا، ودعموا، وحاربوا، باعتبار ان الهوية الكردية تسمو على القانون والسيادة والاعتراف الدولي… ؛ فهي لديهم فوق كل الاعتبارات الوطنية والقانونية…!!

وها هي وسائلُ الإعلام ومنصّاتُ التواصل الاجتماعي المختلفة تنقل عشراتِ الصور ومقاطعِ الفيديو التي تُظهر تجمّعاتٍ للأكراد أمام القنصلية الأمريكية في أربيل، تنديدًا بدعم ترامب للجولاني، ورفع اليد عن «قسد».

كما أظهرت تلك الوسائل تدفّقَ آلاف الأكراد من تركيا والعراق وإيران نحو الحدود السورية، تلبيةً لنداء عبدي حين أعلن النفيرَ العام.

وقد تماهى رجالُ الدين الأكراد مع هذا التوجّه السياسي، فأعلنوا الجهاد ضد جيش الجولاني وعصاباته… ؛ وها هي الصور ومقاطع الفيديو تُجسّد مشاهد الأسى والحزن التي تعمّ الأكراد في مختلف أنحاء العالم، لما لحق بـ«قسد» من هزائم عسكرية في سوريا.

غير أن المفارقة الكبرى، والعجب كل العجب، تظهر حين يصل الحديث إلى المسلمين الشيعة… ؛ فعلى الرغم من كثرة التحديات الخارجية والمخاطر الإرهابية التي تحيط بهم من كل جانب، وعلى الرغم من تعرّضهم المستمر للمجازر والقتل والتهجير والإقصاء والتهميش في أكثر من بلد، فإن أي محاولة منهم للتكاتف أو التضامن تُواجَه بسيل من الاتهامات… ؛ فإذا عبّروا عن وقوفهم إلى جانب إخوانهم المضطهدين في العراق أو الخليج أو أفغانستان، أو أعلنوا تضامنهم مع النظام الإسلامي في إيران أو مع حزب الله في لبنان، سارع خصومهم إلى وسمهم بالذيلية والتبعية والخيانة، وكأن هذا الحق الطبيعي في النصرة محرّم عليهم وحدهم…!!

وهنا تنقلب المعادلة رأسًا على عقب؛ فما يُعدّ سلوكًا مشروعًا وطبيعيًا حين يصدر عن غيرهم، يُدان ويُجرَّم حين يصدر عنهم… ؛ نعم، جرت العادة أن ينصر المسلم أخاه المسلم، وأن يستنجد الكردي بالكردي، وأن يهرع المسيحي لنصرة أخيه، لكن هذه القاعدة العامة تنهار فجأة عندما يتعلّق الأمر بالشيعة، فيُوصَف تماسكهم بأنه طائفية مرفوضة، ويُدان تضامنهم بأنه تجاوز لحدود الدولة والمواطنة، ولا يصحّ بحال من الأحوال، وفق منطق المنتقدين…!!

نعم , اللغزَ الأكبرَ والأكثرَ إثارةً للتأمل، يكمن في الموقف المختلف جذريًا عندما يتعلق الأمر بالشيعة… ؛ هنا، تتحول معادلة التضامن من “حق طبيعي” إلى “تهمة جاهزة”… ؛ فعندما يُذبح الشيعة في باكستان، أو يُهجَّرون في سوريا والعراق، أو يُحاصرون سياسيًا واقتصاديًا في الخليج … ؛ وأي صوتٍ شيعيٍ يعلو لنصرة إخوانه، أو أي حركةٍ سياسيةٍ شيعيةٍ تمدُّ جسور الدعم، تُسارع الألسن والسياسات إلى وصم هذا التضامن بـ”الطائفية المُفْرِطَة” و”التبعية الإيرانية” و”التآمر على الأمة”… ؛ و يُطلب منهم أن يكونوا “مواطنين” فقط حين يتعلق الأمر بالانتماء للدولة، ولكن يُرفض أن يكونوا “إخوة” حين يتعلق الأمر بالانتماء للمذهب المضطَهَد…!!

 

فلماذا يُعتبرُ تجاوبُ الكردي مع نداء قومه “بطولة قومية”، ويُصنَّفُ نُصرةُ العربي لنظام عربي (مهما كان) “تضامنًا عربيًا”، بل ويُقدَّمُ تحالفُ البوذيين أو الهندوس ضد المسلمين كـ”دفاع عن الهوية”، بينما يُنظرُ إلى أي رابط تعاطفي أو فعلي بين الشيعة على أنه “خطر طائفي” و”ولاء خارجي”؟!

نعم , ان تضامنوا، قيل انهم طائفيون. وان نصروا بعضهم بعضا، اتهموا بالولاء للخارج… ؛ وان وقفوا مع قضاياهم في العراق او لبنان او ايران او افغانستان، وصموا بالذيلية والتبعية والخيانة… ؛ وهنا تنكشف الازدواجية الفاضحة في المعايير… ؛ فالتضامن المسيحي انساني، والتكاتف البوذي دفاع عن الهوية، والاصطفاف الهندوسي حماية للامة، والنصرة السنية واجب ديني، والتعاضد القومي العربي شرف قومي , والاصطفاف الكردي العابر للحدود نضال وكفاح ، اما التكاتف الشيعي فمؤامرة، وخرق للمواطنة، وتهديد للدولة…!!

***ازدواجية المعايير في التضامن الطائفي والديني والقومي والعرقي : لماذا يدان الشيعة حين يتكاتفون ؟!

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى سيستمر البعض في الكيل بمكيالين؟

ولماذا يسمح لكل الهويات والاعراق والطوائف والديانات والقوميات ان تدافع عن ذاتها وكيانها وثقافتها وابناءها واتباعها ، الا الهوية الشيعية؟!

ولماذا يطلب من الشيعي ان يكون مجردا من انتمائه، منزوع التضامن، صامتا امام المجازر، باسم دولة لا تحميه، ومواطنة لا تنصفه احيانا ؟!

ان المشكلة ليست في التضامن ذاته، بل في من يحتكره لنفسه، ويجرمه على غيره… ؛ وما لم يعترف العالم، اقليميا ودوليا، بان نصرة الجماعة لنفسها سلوك انساني عام، لا جريمة استثنائية، فان الحديث عن العدالة والتعايش سيبقى مجرد خطاب اجوف، يخفي خلفه صراعا عميقا على الهوية والسلطة والشرعية.

نعم , إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون بتجريم التضامن بحدّ ذاته، بل بإعادة النظر في معايير الحكم عليه، وبالاعتراف بأن العدالة لا تستقيم إلا حين تُطبَّق القواعد ذاتها على الجميع، دون استثناء أو انتقائية… ؛ فإلى متى تظل بعض أشكال التضامن مقبولة ومشروعة، بينما تُرفض أشكال أخرى وتُوصم بنعوت التخوين والتبعية؟!

إن هذه الازدواجية لا تُغذي الصراعات فحسب، بل تعكس فهماً انتقائياً لمفاهيم التضامن والهوية، يستدعي إعادة نظر عميقة.

***التحليلُ يُرجعُ هذه الازدواجية إلى جذور متشابكة:

• سياسيًا: إنَّ وجود قوة مركزية شيعية مؤثرة (إيران) وحلفائها، حوَّل التضامن الشيعي في عيون خصومها من ظاهرة اجتماعية إلى إستراتيجية جيوسياسية مهددة… ؛ فأي تعاطف يُقرأ فورًا على أنه امتداد لمشروع إقليمي، مما يُجرِّده من بعده الإنساني البسيط ؛ ولكن لو حصل الامر نفسه مع الاخرين لما سلطت عليه الاضواء ؛ وهنا نرجع الى المربع الاول .

• إعلاميًا وتاريخيًا: ساهم الخطاب الطائفي المُغرِسُ لصورة “الشيعي المختلف والمنفصل والخارجي” في تغذية هذه النظرة… ؛ فأصبح التضامن معه ضربًا من الخيانة للهوية الوطنية الأوسع، بينما يُصوَّرُ تكاتف الآخرين دفاعًا عن “النسيج الوطني” أو “الأغلبية الصامتة”.

• اجتماعيًا: الخوف من قوة الأقلية عندما تنتظم، يجعل رد الفعل عليها استباقيًا وعنيفًا… ؛ فالتضامن الشيعي، في مناطق يكونون فيها أقلية، يثير فزعًا لدى من اعتادوا على هيمنة ثقافية أو سياسية، فيُسارعون إلى شيطنته قبل أن يتحول إلى قوة ملموسة.

والنتيجة هي معادلةٌ مقلوبة: فالفطرة الإنسانية في النصرة تُشَجَّعُ للجميع إلا لفئةٍ بعينها… ؛ اذ يُحتفى بالتضامن القومي والديني كقيمة، إلا إذا كان شيعيًا، فيُحوَّلُ فورًا إلى تهمة… ؛ و هذه الازدواجية لا تُسيء إلى الشيعة وحدهم، بل تُعرقل إمكانية بناء مواطنة حقيقية تقوم على العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، بما فيها واجب التعاطف والتضامن الإنساني… ؛ فإما أن يُقبل التضامن كحقٍ طبيعيٍ لجميع الجماعات دون استثناء، أو يُنظر إلى الجميع بنفس المقياس من الشك والتجريم والتخوين … ؛ أما استمرار كيل الاتهامات بمكيالين، فهو إقرارٌ بفشلٍ ذريعٍ في فهم أبسط قواعد العدالة والمساواة، وتكريسٌ للتفتيت والصراع الذي لا ينتهي.

 

اترك رد