منبر العراق الحر :….. اعداد : عبدالكريم السعيد….
يُواجه القارئ منذ العتبة الأولى بعنوان القصيدة ((عيشي بوقتكِ)) صيغة أمر تبدو في ظاهرها هادئة، لكنها تُخفي توترًا دلاليًا كثيفًا. فالأمر هنا لا يصدر عن موقع سلطة، ولا يحمل وعدًا أو رجاءً، بل يأتي بوصفه فعل انسحاب وجودي، وإعلانًا مبكرًا عن انفصال الزمن المشترك. العنوان لا يقول: سأعيش بوقتي، بل يدفع الآخر إلى زمنه الخاص، وكأن الذات المتكلمة تعترف ضمنيًا بعجزها عن الاستمرار في زمن واحد. هذا الأثر الجمالي الأول يخلق شعورًا بانكسار الزمن قبل انكسار العلاقة، ويهيئ القارئ للدخول في نص لا يتعامل مع الفقد بوصفه حادثة عاطفية، بل بوصفه تصدعًا في بنية الوجود.
ينطلق النص بعد ذلك من فعل الأمر ((غادرْ)) ، وهو فعل لا يُفهم بوصفه قرارًا حاسمًا، بل بوصفه صدى لانهيار سابق. فالجملة التالية ((فما عاد الزمان زماننا )) تكشف مباشرة أن المشكلة ليست في الغياب، بل في الزمن ذاته. هنا تتشكل الثيمة المركزية للنص: انهيار الزمن المشترك وتحوله إلى قوة معادية. ومنذ هذه اللحظة، يتحول الزمن من إطار محايد للأحداث إلى كائن فاعل، يضغط، ينهش، يسرق، وينتقم.
يتجسد هذا التحول عبر سلسلة من الصور التي تُنزَع فيها عن الزمن صفته التجريدية، ويُمنح جسدًا وسلوكًا. ((الساعة الشمطاء تندب حظها)) ، (سرقت عقاربها المنى وأماننا) ، ((الأيام تزحف نحونا عرجاء)) . هذه الصور لا تعمل بوصفها زخرفًا بلاغيًا، بل بوصفها وسيطًا دلاليًا يكشف آلية اشتغال المعنى في النص. فالزمن هنا لا يمر، بل يشيخ، يعرج، يندب، ويطلب ثأره. وبهذا يتحول الفقد العاطفي إلى أزمة زمنية شاملة، حيث لا يعود الماضي ملاذًا، ولا المستقبل وعدًا، ولا الحاضر مساحة استقرار.
داخل هذا النسق الزمني المنهار، تتشكل واحدة من أكثر فجوات النص كثافة في صورة ((الفراغ)) . فالفراغ الذي ((تركته)) المخاطَبة ليس غيابًا سلبيًا، بل حضورًا عدوانيًا: ((معربدًا يحتل زاوية المكان، مهيمنًا، يقتات من صبري)) . الفراغ هنا ليس أثرًا للفقد، بل كيانًا طفيليًا ينمو داخل الذات ويستنزفها، يحتل المكان ويتغذى على طاقة الذات. هذه الفجوة الانزياحية لا تُفسَّر داخل النص، ولا تُغلق، بل تُترك مفتوحة بوصفها تجربة معيشة: الفراغ ليس نتيجة الفقد، بل شكله الأكثر قسوة.
ويبلغ هذا التحول ذروته في الصورة الصادمة: ((ويكبر في دمي طفلًا قبيح الوجه يلعن ما بنى)) . الطفل، بوصفه رمز البراءة والبدايات، ينقلب إلى كائن قبيح وهدّام. هذا الانزياح العنيف يفتح فجوة دلالية عميقة: ما الذي يولد من الصبر؟ ليس الحكمة ولا النضج، بل تشوّه داخلي يلعن تاريخه. النص لا يشرح هذا التحول ولا يبرره، بل يكتفي بكشفه، تاركًا القارئ في منطقة توتر أخلاقي ووجودي.
وعلى مستوى التناص، يستدعي النص وعيًا ثقافيًا واسعًا يرى الزمن خصمًا لا حليفًا، دون أن يحيل إلى نص بعينه. فالزمن الكاذب، المنتقم، المتلوّن، هو زمن مألوف في الذاكرة الشعرية الحديثة، لكن النص لا يستدعيه بوصفه اقتباسًا، بل بوصفه أفقًا وجوديًا مشتركًا. هذا التناص غير المصرَّح به يعمّق التجربة دون أن يقيّدها بإحالة مباشرة، ويمنح النص بعدًا يتجاوز خصوصية العلاقة إلى مأزق إنساني أوسع.
وتتسع الدائرة أكثر في المقطع الأخير حين يقول: ((عيشي بوقتكِ إنه متلوّن كالبحر يغرق سفننا)) . هنا يتحول الخطاب من مخاطبة فردية إلى أفق عام. فالزمن المتلوّن لم يعد زمن علاقة واحدة، بل زمن عالم متقلب، خادع، قادر على إغراق السفن جميعًا. هذه الجملة تُنشئ فجوة سياقية واضحة: هل المخاطَبة امرأة بعينها، أم فكرة الحياة المعاصرة، أم جيل كامل يعيش في زمن مكسور؟ النص لا يحسم، بل يترك الخطاب مفتوحًا، رافضًا التعيين النهائي.
من حيث التلقي، لا يمنح النص القارئ مسافة أمان. فالكثافة التصويرية، وتراكم الأفعال السالبة، وغياب أي أفق خلاص، تجعل القارئ شريكًا في التجربة لا مراقبًا لها. القارئ لا يُكافأ بحكمة ختامية، ولا يُقاد إلى تعزية، بل يُترك داخل الإحساس نفسه بالاختناق، وهو ما يمنح النص قوته النوعية.
يصل النص إلى حدّ الإشباع عند صورته الأخيرة، حيث تتكثف الدلالة دون أن تُغلق. فغرق السفن ليس خاتمة، بل أقصى ما يمكن كشفه داخل منطق النص. بعد هذه الصورة، لا يعود السؤال قادرًا على إنتاج كشف جديد، لا لأن المعنى اكتمل، بل لأن التجربة استُنفدت شعوريًا ودلاليًا.
في محصلته، يقدّم النص تجربة شعرية تُحوِّل الفقد من حدث عاطفي إلى انهيار شامل في الزمن والمعنى والمكان. وهو لا يسعى إلى الإقناع، ولا إلى الاستعطاف، بل إلى فرض المعايشة. وبذلك يظل النص مفتوحًا على القراءة، مقاومًا لأي حكم قيمي نهائي، ومحتفظًا بحيويته الدلالية حتى بعد اكتمال القول.
عيشي بوقتِكِ
====
غادرْ
فما عاد الزمان
زمانَنا
والوجد في صدري صدى
يلتف حول حقيقةٍ مخنوقة
حاولت أن أنسى
لأبدأ يا أنا
شاخت خطاي
وضاق بوح صدورنا
فالدرب بعدكِ قد تآكل
وانحنى
والساعة الشمطاء
تندب حظها
سرقت عقاربها المنى
وأمانَنا
وتركتِ لي هذا الفراغ
معربدًا يحتل
زاوية المكان
مهيمنًا
يقتات من صبري
ويكبر في دمي
طفلًا قبيح الوجه
يلعن ما بنى
يا كذبة
نزلت علينا فجأة
كيف استطعتِ
بأن تحيلي عمرنا
كوخًا من القش الهزيل
إذا عتا ريح الحنين عليه
طار وأذعنا
إني أرى الأيام
تزحف نحونا
عرجاء
تطلب ثأرها من حلمنا
وتصيح أين الحب؟
تضحك شامتة
وتمد مخلبها
لتنهش ظلّنا
عيشي بوقتكِ إنه متلوّن
كالبحر يغرق سفننا
محمد السّوّادي
“من ديوان وقتنا_المكسور”
Abdul Kareem
Abdul Kareem
منبر العراق الحر منبر العراق الحر