خور عبدالله… الممر العراقي الذي لا يُساوم على سيادته….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :خور عبدالله هو ممر مائي ضيق يمتد من الخليج العربي نحو الشمال الغربي ويمثل المنفذ البحري الوحيد للعراق إلى الخليج والبحر المفتوح، وهو الطريق الذي تمر عبره سفن البضائع والنفط العراقي من أجل التصدير والاستيراد عبر موانئ العراق الجنوبية مثل ميناء أم قصر وخور الزبير وما يجعله أكثر من مجرد ممر مائي هو أنه شريان اقتصادي استراتيجي لبلد لا يمتلك سواحل طويلة في الخليج.
إن الحديث عن أحقيته للعراق ليس فقط مسألة تاريخ وجغرافيا، بل هو قضية سيادة وطنية واقتصاد واستقلالية القرار السياسي العراقي.
ان خور عبدالله هو جزء لا يتجزأ من سيادة العراق التاريخية على مياهه وممراته البحرية لأن هذا الخور كان الطريق الطبيعي للعراق إلى الخليج قبل وضع أي اتفاقيات أو خطوط حدودية حديثة، وهو المصدر الحيوي الذي تعتمد عليه التجارة العراقية والتصدير النفطي وسيطرة أي طرف آخر على هذا الخور تعني عمليًا سيطرة على شريان حياتي للاقتصاد العراقي وقدرة على التأثير في حركة سفنه ما يجعل الحق السيادي للعراق في خور عبدالله قضية أساسية لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
القضية القانونية الدولية حول خور عبدالله مرتبطة بخلفية تاريخية وقانونية مهمة بدأت بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 حين أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 833 لعام 1993 لتحديد حدود العراق والكويت بما في ذلك جزء من الخور لكن هذا القرار لم ينه النزاع بوضوح حول الحقوق السيادية للعراق بل ترك للقوى الدولية والإقليميين مجالاً واسعاً للتفسير. رغم أن القرار كان يهدف إلى ترسيم الحدود نتيجة عواقب الغزو إلا أن العراق يرى أن هذا الترسيم لم يتم عبر إجراءات وطنية سليمة لديه ولم يمثل تنازلًا إراديًا عن حقوقه في ممره البحري الحيوي.
في عام 2012 وُقّعت اتفاقية مع الكويت لتنظيم الملاحة في خور عبدالله وتمت المصادقة عليها في البرلمان العراقي عام 2013، لكن هذا الاتفاق لم يحل بشكل نهائي قضية السيادة بل قُوبل بانتقادات داخل العراق باعتباره تنازلاً عن جزء من الحقوق السيادية واعتُبره بعض العراقيين بمثابة تقاسم للخور مع دولة أخرى في حين أن صاحب الحق الأول والأصيل فيه وقرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق في سبتمبر 2023 ببطلان قانون تصديق الاتفاقية استند إلى عدم مطابقة إجراءات المصادقة الدستورية ولم يحسم الحقوق السيادية بل أعاد النقاش الوطني إلى الواجهة.
الموقف الشعبي والسياسي العراقي كان واضحًا في نظرة الكثير من العراقيين إلى تلك الاتفاقية على أنها تنازل عن حق سيادي عظيم، حيث نظم مواطنون وبرلمانيون احتجاجات مطالبين بعدم التنازل عن الخور واعتبروه ممرًا عراقيًا بحتًا لا يحق لأي دولة أن تمارس سيطرة عليه أو تستفيد منه على حساب العراق. هذه المشاعر تنبع من حقيقة اقتصادية بحتة: العراق يعتمد على هذا الممر لتدفق السلع والنفط، وأي قيود أو سيطرة خارجية عليه من شأنها إضعاف الاقتصاد العراقي وفتح الباب لتدخلات في السياسات الوطنية.
الموقف القانوني الدولي نفسه ليس واضحًا بما فيه الكفاية، إذ أن الاتفاقيات والقرارات السابقة لم تمنح الدول الأخرى بحق دائم في التحكم في خور عبدالله، بل حددت بعض الخطوط الحدودية بهدف إنهاء النزاع بعد الحرب، لكن حقوق السيادة والسيطرة الكاملة تبقى محل جدل.
أن سيادة العراق على هذا الممر هي حق طبيعي لا يمكن التنازل عنه دون إرادة وطنية صريحة وما يجعل أي محاولة لتقاسم الخور أو تنظيمه مع دولة أخرى بدون ضمانات عادلة يمثل خطرًا على استقلاله الاقتصادي والسياسي وعلى قدرته في التحكم بمصيره البحري.
في جوهر القضية، فإن خور عبدالله ليس مجرد ممر مائي، بل هو رمز للحق السيادي العراقي في البحر وسياق استراتيجي حيوي لا يمكن التنازل عنه، وأي محاولة لإعادة توزيع الحقوق أو السماح بوجود قوة موازية في إدارته يُنظر إليها في العراق كتهديد مباشر لاستقلال الدولة ووحدتها الاقتصادية وهذا يجعل أحقيته للعراق من منظور وطني وقانوني وقومي مسألة مركزية في العلاقات العراقية الخليجية وعلى رأسها العلاقة مع الكويت، ويؤكد أن العراق يجب أن يكون صاحب القرار الأول والأخير في شأن مصيره البحري.
خور عبدالله ليس مجرد ممر مائي بل هو شريان حياة العراق وبوابة اقتصاده واستقلاله الوطني وكل اتفاق أو تنظيم خارجي يفرض قيودًا عليه يمثل محاولة لتقييد سيادة العراق والتدخل في مصيره. الحق العراقي في خور عبدالله ثابت بكل أبعاد القانون والتاريخ والجغرافيا ولن يكون موضوع مساومة أو تقاسم وإنه رمز للسيادة الوطنية ودليل على أن العراق صاحب القرار الأول والأخير في شؤونه البحرية، وأن حماية هذا الحق واجب وطني لا يمكن التفريط فيه تحت أي ظرف.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد