منبر العراق الحر :في الشرق، لا تقاس الحروب دائما بما تبقيه من مدن، بل بما تخلفه من روايات؛ فثمة شعوب، او نخب تتحدث باسمها، لا تخرج من الحرب منتصرة لانها غلبت خصمها، بل لانها اتقنت تحويل الخراب الى خطاب، والخذلان الى مشهد تعبوي، والهزيمة الى مناسبة للاحتفال، وفي هذا المعنى، تبدو الساحة الشرقية اليوم وكأنها مسرح واسع، لا تتنافس فيه الاطراف على تحقيق النصر بقدر ما تتنافس على امتلاك تعريفه وفرض سرديته.
تقاس نتائج الحروب، في كثير من السياقات التاريخية، بمخرجاتها المادية المباشرة، غير ان بعض البيئات السياسية تميل الى اعادة تعريف هذه النتائج عبر انتاج منظومات خطابية بديلة، تعيد تأويل الخسارة وتمنحها وظيفة رمزية مختلفة، وفي هذه الحالات، لا يكون النصر معطى واقعيا بقدر ما يكون بناء خطابيا قابلا للتشكيل، يخضع لقدرة الفاعلين على اعادة تنظيم المعنى وتوجيه الادراك الجمعي.
تظهر الحالة العربية، في عدد من تجلياتها المعاصرة، مستوى لافتا من القدرة على اعادة انتاج الهزيمة ضمن سرديات نصر بديلة، فالحروب الممتدة، وما رافقها من تفكك في بنية الدولة وتآكل في مؤسساتها، لم تقدم دائما بوصفها اخفاقات تستدعي المراجعة، بل جرى، في كثير من الاحيان، تأطيرها خطابيا ضمن مفاهيم مثل الصمود والانتصار المعنوي، ولا يبدو هذا التحول مجرد انحراف لغوي عابر، بل يعكس نمطا متكررا من ادارة الخسارة عبر اللغة، حيث يعاد توصيف التراجع بوصفه شكلا من اشكال الثبات، وتستثمر الهزيمة ذاتها في انتاج مشهد تعبوي يعيد تثبيت شرعية الخطاب القائم.
وفي هذا السياق، يمكن القول ان بعض النخب السياسية والاعلامية العربية قد طورت، عبر تراكمات من الاخفاقات غير المعترف بها، خبرة خطابية خاصة في تحويل الوقائع السلبية الى روايات ايجابية، بحيث لا يعود النصر مرتبطا بتحققه الفعلي، بل بمدى القدرة على اقناع الجمهور بحدوثه؛ وهنا تتجلى احدى ابرز مفارقات المشهد: واقع يتآكل تدريجيا، يقابله خطاب يتضخم باستمرار.
اما في الحالة الايرانية، فتبدو العملية اكثر تركيبا وتعقيدا، اذ تتعرض الدولة، في بعض المراحل كما الان، لضغوط – هزائم – عسكرية واقتصادية وسياسية، الا ان الخطاب الرسمي لا يتجه نحو الاعتراف بهذه الضغوط بوصفها مؤشرات ضعف، بل يعيد دمجها في سردية اوسع تقوم على مفاهيم المقاومة والصمود التاريخي؛ وبهذا المعنى، تتحول الضربة الى عنصر ضمن بنية رمزية تهدف الى اعادة انتاج الشرعية، لا الى تقويضها، ان ما يجري هنا ليس انكارا مباشرا للواقع، بل اعادة تنظيم دلالاته بما يخدم استمرارية النظام السياسي.
ولا يقتصر هذا النمط من انتاج المعنى على الاطار الوطني، بل يمتد عبر شبكات سياسية واعلامية عابرة للحدود، حيث تتبنى بعض القوى في دول اخرى هذه السرديات وتعيد انتاجها ضمن سياقاتها المحلية، وفي هذه الحالة، لا يكون الخطاب مجرد انعكاس للواقع، بل يصبح اداة لاعادة تشكيله ادراكيا، بحيث يعاد تعريف مفاهيم مثل السيادة والانتصار والانتماء وفق منطق يتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على اعادة صياغة الوعي الجمعي، فعندما تتحول الخسارة الى نصر رمزي، يصبح من الصعب انتاج نقد ذاتي حقيقي، لان اللغة ذاتها يعاد هيكلتها لتمنع توصيف الواقع كما هو، وهنا تتقدم وظيفة الخطاب بوصفه اداة للضبط الرمزي، لا مجرد وسيلة للتعبير، حيث يعاد توزيع المعاني بطريقة تجعل من الهزيمة حدثا قابلا للاحتفاء، لا للمراجعة.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا التحول بوصفه استجابة لازمة ممتدة، اذ تميل المجتمعات التي تتعرض لهزائم متكررة الى البحث عن اطر تفسيرية تمنح المعاناة معنى، حتى وان كان هذا المعنى مصطنعا، وفي هذا السياق، تنجح السلطة السياسية او الفاعلون غير الرسميين في انتاج خطاب يعيد ترميز الالم بوصفه دليلا على الصمود، لا على الاخفاق.
بناء على ذلك، لا تكمن الاشكالية الاساسية في وقوع الهزيمة، بوصفها جزءا طبيعيا من حركة التاريخ، بل في تعطيل القدرة على ادراكها، فحين يفرغ مفهوم النصر من مضمونه الواقعي، ويتحول الى مجرد اداة خطابية، يفقد المجتمع احد اهم شروط التعلم التاريخي، وهو الاعتراف بالخسارة بوصفها مدخلا لاعادة البناء.
وعليه، فان تحليل الصراعات في السياق الشرقي يتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة، والالتفات الى البعد الخطابي الذي يعيد انتاج النتائج ضمن منظومة رمزية معقدة، ففي كثير من الاحيان، لا يكون السؤال: من انتصر فعليا؟ بل: من نجح في فرض تعريفه للانتصار؟ .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر