منبر العراق الحر :
لا يتوقف الأثر الاقتصادي للفنانين عند رحيلهم، إذ تواصل أعمالهم الموسيقية والفنية تحقيق الإيرادات لسنوات طوال، وأحياناً لعقود، بفضل حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر والبث والاستغلال التجاري. ومع التطور الرقمي وانتشار منصات الاستماع والبث، باتت أعمال النجوم الراحلين مصدراً مستمراً للدخل لورثتهم وأصحاب الحقوق، فيما يفتح الذكاء الاصطناعي بدوره نقاشاً جديداً حول استخدام الأصوات والصور بعد الوفاة.
وفي هذا السياق، كشفت مجلة “فوربس” عن قائمة المشاهير الراحلين الأعلى دخلاً عام 2025، إذ تصدّر مايكل جاكسون القائمة بإيرادات بلغت 105 ملايين دولار.

وحلّ مايلز ديفيس بإيرادات بلغت 21 مليون دولار، تلاه إلفيس بريسلي بـ17 مليون دولار، ثم جيمي بافيت بـ14 مليون دولار، وبوب مارلي بـ13 مليون دولار، وجون لينون بـ12 مليون دولار، فيما بلغت إيرادات برينس 11 مليون دولار.


ورغم رحيل مارلين مونرو منذ أكثر من ستة عقود، لا تزال تُدرّ ملايين الدولارات سنوياً، في واحدة من أبرز ظواهر “اقتصاد النجوم الراحلين”. فبحسب تقرير لمجلة “الإيكونوميست”، تحقق الأعمال والمنتجات المرتبطة باسمها وصورتها نحو 80 مليون دولار سنوياً، فيما تُقدّر قيمة إرثها التجاري اليوم بما بين 20 و30 مليون دولار، بعدما كانت ثروتها عند الوفاة لا تتجاوز 800 ألف دولار.
الفنانون العرب… إيرادات غير معلنة
أما النجوم العرب الراحلون، فلا توجد تقارير رسمية تكشف حجم الإيرادات التي تواصل أعمالهم تحقيقها بعد وفاتهم. إلا أن رئيس مجلس الموزعين والملحنين في “CACL”، الجهة اللبنانية العاملة بموجب بروتوكول تعاون مع جمعية “SACEM” الفرنسية لإدارة حقوق المؤلف الموسيقية وتحصيلها، المنتج والمؤلف الموسيقي أسامة الرحباني، يوضح أن الأعمال الفنية يمكن أن تستمر في توليد العائدات لعقود طويلة من خلال البث الإذاعي والتلفزيوني، ومنصات الاستماع الرقمية، والعروض الحية، واستخدام الأغاني في الأفلام والإعلانات وغيرها من أوجه الاستغلال التجاري.

ويؤكد لـ”النهار” أن حماية حقوق المؤلف والملحن تستمر في معظم الدول بين 50 و70 عاماً بعد وفاة آخر شخص ساهم في كتابة العمل أو تلحينه، ما يفسر استمرار تدفق الإيرادات على أعمال العديد من الفنانين الراحلين بعد عقود من رحيلهم.
لمن تعود حقوق الأغنية؟
يشير الرحباني إلى أن حقوق الأغنية الأساسية تعود إلى المؤلف والملحن والناشر الموسيقي، موضحاً أن كثيرين يخلطون بين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة المرتبطة بأداء الفنان وتسجيله الصوتي.
فحين تُستخدم الأغنية أو يُعاد بثها أو تقديمها في الأماكن العامة، تعود العائدات الناتجة من حقوق الأداء العلني إلى المؤلف والملحن والناشر، بينما ترتبط حقوق المغني بالتسجيل الصوتي والأداء الذي قدّمه.
كيف تُحصّل حقوق الأداء العلني؟
من أبرز هذه الحقوق ما يُعرف بالأداء العلني (Public Performance)، وهو مجال تتولى إدارته جمعيات متخصصة لتحصيل حقوق المؤلف وتوزيعها، مثل “SACEM” في فرنسا و”ASCAP” في الولايات المتحدة و”GEMA” في ألمانيا و”SOCAN” في كندا.
وتلتزم الجهات التي تستخدم الموسيقى علنياً دفع رسوم أو نسب محددة من إيراداتها وفق القوانين المحلية، كما يتوجب عليها تقديم قوائم تفصيلية بالأعمال الموسيقية التي استخدمتها خلال السنة. وبعد تحصيل هذه الإيرادات، تقوم جمعيات إدارة الحقوق باقتطاع النفقات الإدارية الخاصة بها، ثم توزيع العائدات على أصحاب الحقوق أو ورثتهم.

من الحفلات إلى المنصات الرقمية… مصادر الدخل المتعددة
ويؤكد أن عائدات الأغاني لا تقتصر على البث الإذاعي والتلفزيوني فحسب، بل تشمل أيضاً الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والأوبرالية واستخدام الأغاني في الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية والإعلانات التجارية.
أما على المنصات الرقمية مثل “Spotify” و”Apple Music” و”YouTube” و”Anghami” و”Deezer”، فتتوزع الإيرادات بين المنصة الرقمية وشركات التوزيع وشركات الإنتاج والناشرين والمؤلفين والملحنين وأصحاب الحقوق المجاورة.
ويوضح أيضاً أن الإذاعات والتلفزيونات في العديد من الدول ملزمة قانوناً دفع نسبة قد تصل إلى 10% من إيراداتها إلى جمعيات إدارة حقوق المؤلف عند بث الموسيقى. وتُوزَّع هذه العائدات لاحقاً على مؤلفي الأغاني وملحنيها وناشريها، وفقاً لعدد مرات البث والاستخدام، بينما تختلف حصة المغني بحسب طبيعة الحقوق المرتبطة بالأغنية وصوته المسجّل.

الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات قانونية جديدة
ويلفت الرحباني إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع، وخصوصاً تقنيات الذكاء الاصطناعي، يطرح تحديات قانونية جديدة تتعلق باستخدام أصوات الفنانين وصورهم وإعادة إنتاج أعمالهم بطرق لم تكن موجودة سابقاً.
وباتت بالإمكان إعادة إنتاج الأصوات أو تعديل الأعمال الموسيقية بوسائل تقنية متطورة، في وقت لا تزال فيه التشريعات في كثير من الدول تحاول مواكبة هذه التحولات المتسارعة.
ويشير إلى أن هذا التطور يثير تساؤلات متزايدة حول ملكية الأعمال التي يُنتجها أو يعدّلها الذكاء الاصطناعي، والجهة التي تعود إليها الحقوق والعائدات الناتجة منها. وفي ظل غياب تشريعات واضحة في العديد من الدول، لا تزال هذه المسائل محل نقاش قانوني واسع، ما يفرض تحدياتٍ جديدة على منظومة حماية الملكية الفكرية.
هل يمكن إعادة تسجيل أغنية لفنان آخر؟
ويؤكد أن إعادة تقديم أغنية سبق أن سجّلها فنان آخر تبقى ممكنة في إطار غير تجاري، لكن تسجيلها أو تصويرها على شكل فيديو كليب أو نشرها على المنصات الرقمية يتطلّب الحصول على إذنٍ مسبق من أصحاب الحقوق أو الجهات التي تديرها، إذ لا يحق لأي شخص استغلال الأغنية أو نشرها من دون موافقةٍ قانونية.

العالم العربي بين التأخر والتطوير
رغم وجود أطر قانونية لحماية الملكية الفكرية في عدد من الدول العربية، لا تزال آليات تحصيل حقوق الأداء العلني وتوزيعها تعاني ضعفاً في التطبيق، ومن بينها لبنان.
مع ذلك، يشير الرحباني إلى أن لبنان يُعدّ من أكثر الدول العربية نشاطاً في محاولة تحصيل هذه الحقوق وتحويلها إلى الجهات الدولية المختصة لتوزيعها على أصحابها، إلا أن ضعف الالتزام والرقابة لا يزالان يشكلان عائقاً أساسياً أمام تحقيق نتائج ملموسة.
في المقابل، يشهد بعض دول الخليج تقدماً متسارعاً في تنظيم قطاع الملكية الفكرية، من خلال تطوير التشريعات وتعزيز آليات حماية الحقوق الموسيقية والفنية، بما يواكب التحولات التي يشهدها القطاع الإبداعي عالمياً.
سرين الحلاق
المصدر: “النهار”
منبر العراق الحر منبر العراق الحر