منبر العراق الحر :
ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بظلال ثقيلة على الاقتصاد العراقي، لتضعه أمام أحد أصعب التحديات المالية منذ سنوات، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة فيه إلى تهديد الشريان الرئيسي لصادرات النفط العراقية، المصدر الأساسي لإيرادات الدولة.
وتصاعدت المخاوف الرسمية في بغداد مع تحذير وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين من التداعيات الخطيرة لاستمرار إغلاق المضيق، مؤكداً أن الوضع المالي أصبح “خطيراً” في ظل اعتماد العراق على مرور معظم صادراته النفطية عبر هذا الممر البحري الحيوي.
وأوضح حسين أن استمرار الحرب وتعطل حركة الملاحة قد ينعكسان مباشرة على قدرة الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية، بما في ذلك دفع رواتب الموظفين، مشيرا إلى أن السلطات تعتمد حاليا على الاحتياطيات المالية والسندات والدين الداخلي لتأمين النفقات الأساسية.
في المقابل، شدد البنك المركزي العراقي على أهمية تبني سياسات مالية طويلة الأمد قادرة على حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية وتقلبات أسواق الطاقة، داعياً إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز إدارة الدين العام وبناء هوامش أمان مالية تدعم الاستقرار الاقتصادي.
وكان العراق، أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة أوبك، يصدر قبل اندلاع الحرب نحو 3.5 ملايين برميل من النفط يوميا، يمر الجزء الأكبر منها عبر مضيق هرمز، ما جعل أي اضطراب في حركة الملاحة بالمضيق ينعكس مباشرة على الإيرادات الحكومية.
توقف الصادرات يفاقم الضغوط المالية
الخبير الاقتصادي العراقي عبد الرحمن المشهداني قال في تصريحات خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية” إن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تفاقم الأزمة المالية في العراق، موضحاً أن تعطل التصدير عبر موانئ البصرة يعني عملياً توقف تصدير نحو 3.3 ملايين برميل يومياً.
وأضاف أن الأزمة تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد العراقي الذي يواجه تحديات مالية متراكمة، مشيراً إلى أن خط التصدير عبر ميناء جيهان التركي ما زال متوقفاً، في حين أن الكميات التي يمكن تصديرها عبره لا تتجاوز 230 ألف برميل يومياً، أي أقل من 7 بالمئة من إجمالي الصادرات النفطية المعتادة.
وأشار إلى أن الحكومة العراقية تواجه بالفعل صعوبات في تأمين الرواتب والأجور، لافتاً إلى أن الإيرادات النفطية الحالية لا تتجاوز نحو تريليوني دينار شهرياً، بينما تبلغ الإيرادات غير النفطية قرابة 1.5 تريليون دينار، في حين تحتاج الدولة إلى نحو 8.5 تريليون دينار شهرياً لتغطية الرواتب فقط.
وأضاف أن هذه الفجوة المالية دفعت الحكومة إلى اللجوء للاقتراض من البنك المركزي من خلال خصم حوالات الخزينة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الدين الداخلي من نحو 102 تريليون دينار إلى 117 تريليون دينار خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
أزمة متجذرة لا ترتبط بالحرب فقط
ورغم تأثير الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يرى المشهداني أن الأزمة الحالية تعكس اختلالات مالية أعمق تراكمت خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن الموازنات الثلاثية للأعوام 2023 و2024 و2025 شهدت تحول العجز المخطط إلى عجز فعلي تراوح بين 20 و28 تريليون دينار سنوياً، ما جعل المالية العامة أكثر هشاشة أمام أي صدمة خارجية.
وأشار إلى أن النقاشات الخاصة بإعداد موازنة عام 2026 كانت قبل اندلاع الحرب تستند إلى توقعات بانخفاض أسعار النفط إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل واستقرارها عند حدود 65 دولاراً، وهو ما كان سيؤدي، وفق التقديرات، إلى عجز فعلي قد يصل إلى 50 تريليون دينار إذا بلغ الإنفاق نحو 160 تريليون دينار.
وأضاف أن الإيرادات النفطية المتوقعة وفق هذه الأسعار لن تكون كافية لتغطية الالتزامات الأساسية للدولة، بما في ذلك رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية، ما يضع المالية العامة تحت ضغوط متزايدة حتى من دون تصعيد إقليمي إضافي.
ومع استمرار التوترات الإقليمية وتزايد الضغوط على حركة التجارة والطاقة في الخليج، يجد العراق نفسه أمام اختبار اقتصادي معقد، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع اختلالات مالية مزمنة، ما يفرض على الحكومة البحث عن حلول عاجلة لتأمين الاستقرار المالي، إلى جانب إصلاحات استراتيجية تقلل من اعتماد البلاد على النفط ومسار تصدير واحد شديد الحساسية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر