منبر العراق الحر :….نحو فهم أعمق للسلوك الإنساني….
أهداني الأستاذ عبد الكريم حمزة عباس مشكورًا نسخة من كتابه “خفايا النفس البشرية”، وهو كتاب يقدّم قراءة ذكية وواضحة لسلوك الإنسان من خلال مواقف يومية نعيشها أو نلاحظها في حياتنا، مثل حوار عابر أو تصرف صغير قد لا ننتبه إليه، لكن الكاتب يتوقف عند هذه المواقف ويحاول فهم ما وراءها من مشاعر ودوافع داخلية، ولا يعتمد على نظريات معقدة أو نصائح جاهزة، بل يدفع القارئ إلى التفكير في أسباب السلوك الإنساني: لماذا نخاف أحيانًا؟ ولماذا نتردد؟ ولماذا نبحث عن قبول الآخرين؟
يبدو أن الكتاب بدأ من فكرة الخوف بوصفه سببًا مشتركًا في معظم أنماط السلوك البشري، وقد أجاد المؤلف حين جعل هذا المفهوم منطلقًا لكتابه، إذ يتكرر حضوره في تفسير كثير من السلوكيات الإنسانية. كما يناقش فكرة الأقنعة الاجتماعية، أي الصورة التي يظهر بها الإنسان أمام الآخرين والتي قد لا تعبّر دائمًا عن حقيقته، إضافة إلى موضوعات قريبة من الحياة اليومية مثل الشعور بالضعف والرغبة في النجاح والحاجة إلى التقدير وصعوبة مواجهة الذات، وكل ذلك يُقدَّم من خلال مواقف واقعية بسيطة تساعد القارئ على الفهم دون تعقيد. كما بدا أن اختيار المؤلف للمشاهد والمواقف و الأحداث اختيارًا ذكيًا، وأن تفسيراته واستنتاجاته جاءت دقيقة ومبنية على ملاحظة واعية للسلوك الإنساني، ويعتمد الكاتب على خلفيته الأدبية والنقدية، لذلك جاء أسلوبه يجمع بين الوصف والتحليل، حيث يلتقط التفاصيل الصغيرة في السلوك ثم يحاول تفسيرها بطريقة تأملية قريبة من النفس الإنسانية.
ويختلف هذا الكتاب عن كتب التنمية البشرية التقليدية لأنه لا يقدم حلولًا جاهزة أو قواعد ثابتة، بل يترك مساحة واسعة للتفكير وإعادة الفهم، مما يجعل القارئ شريكًا في بناء المعنى وليس متلقيًا له فقط، كما أن أسلوبه السهل والواضح يجعله قريبًا من القارئ العام وليس المتخصص فقط. وفي النهاية يمكن القول إن “خفايا النفس البشرية” يقدم قراءة هادئة تساعد على فهم الإنسان بشكل أعمق، وتفتح باب التأمل في النفس والآخرين بطريقة أكثر وعيًا، مع ترك المعنى مفتوحًا للتأويل حسب تجربة كل قارئ، لذلك لا يمكن التعامل مع ما يقدمه بوصفه أحكامًا نهائية بل بوصفه محاولة لفهم السلوك الإنساني في تعدده وتغيره. ونأمل أن تكون لنا سياحة معرفية أخرى عند صدور جزء ثانٍ يواصل هذا المسار في الكشف عن خفايا النفس البشرية وتعميق هذا النوع من القراءة التأملية.
وختامًا، أتمنى للأديب والناقد عبد الكريم حمزة عباس التوفيق والنجاح الدائم في مسيرته العلمية والأدبية المثمرة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر