الأنوثة في المتخيل السردي وتداولية المعنى: غادة السمان نموذجًا… بقلم: [ربا رباعي]

منبر العراق الحر :

تُعدّ غادة السمان واحدة من أبرز الكاتبات السوريات والعربيات في القرن العشرين، حيث شكّلت نصوصها السردية ـ من روايات وقصص ورسائل ـ فضاءً غنيًا بالحضور الأنثوي، لا بوصفه بعدًا جسديًا فحسب، بل كوعيٍ وجودي، جمالي، وثقافي. في أعمالها، تتداخل الأنوثة مع بنى سردية تنتج معاني مركبة، تنفذ من سطح النص إلى عمق التداول الثقافي والاجتماعي.

لكن، كيف تتجلى الأنوثة في المتخيل السردي لغادة السمان؟ وما هي الآليات التداولية التي تسهم في تشكيل المعنى حول هذه الأنوثة؟ تلك الإشكاليات تفتح الباب أمام قراءة متعددة الأبعاد، تستعين بمناهج تحليل السرد، ومفاهيم التداولية، والرؤية النسوية في آنٍ معًا.

الأنوثة كتمرد وجودي

تحضر الأنوثة في نصوص السمان بوصفها تمرّدًا لا تهدأ جذوته. في روايات مثل “كوابيس بيروت” و”ليلى والذئب”، تبدو الشخصيات النسائية في حالة دائمة من التوتر مع الأدوار الاجتماعية التقليدية. المرأة هنا ليست تابعًا، بل ذات تبحث عن خلاصها، عن صوتها، عن مكانها الخاص في عالم يكاد يلتهم الفردية.

الجسد الأنثوي… بين الواقعي والمتخيل

يأخذ الجسد في نصوص غادة السمان بعدًا رمزيًا معقدًا. لا يُستخدم كأداة إغراء، بل كفضاء للمعنى، كجغرافيا للمقاومة. يتقاطع الجسد الواقعي مع المتخيل، حيث تُعاد صياغته في اللغة ليصبح كيانًا يتحدى التشييء وينتج دلالات جديدة عن الحرية والهوية.

رسائل الحب… وتداولية البوح

في رسائلها مع غسان كنفاني، يظهر البعد التداولي للبوح الأنثوي في أعمق تجلياته. تقول إحدى الرسائل:
“إنني أحبكِ بصدق، ولكنني أخشاكِ… إنني أشعر بأنكِ قادرة على امتصاصي بطريقة ما تدمر السيادة التي يمارسها أبي على أمي!”
هنا، تتكشف العلاقة بين الأنثوي والذكوري كصراع وجودي ثقافي، يتجاوز الشخصي إلى العام. في رسالة أخرى، تقول:
“كل ما في الأمر أن كلينا يعني بكلماته قيم الأشياء كما يفهمها هو في عالمه…”
وهذا يعكس وعيًا مبكرًا بالاختلاف التداولي بين الذكر والأنثى في إنتاج المعنى.

اللغة الأنثوية: استعارات وتمردات

تتسم لغة غادة السمان بجماليات خاصة، تقوم على المجاز، الاستعارة، التكرار، والتقابل. ليست اللغة هنا وسيلة نقل، بل أداة كشف. فالأنوثة في خطابها تتجلى حتى في بناء الجملة، في اختيار المفردة، في نبرة الصوت السردي ذاته.

الأنوثة والسياق… بيروت، الحرب، الاغتراب

من بيروت الحرب إلى مدن الاغتراب، تتفاعل الأنوثة مع السياقات المحيطة لتنتج خطابًا سرديًا مغايرًا. السمان لا تكتفي برصد الواقع، بل تعيد تشكيله من موقع أنثوي يعارض السلطة، ويعيد بناء الذات وسط الفوضى.

مواجهة الخطاب الذكوري

تتعامل غادة السمان مع الخطاب الذكوري المهيمن لا بالمواجهة المباشرة دائمًا، بل بإعادة صياغة مفاهيمه من الداخل. الأنثى في نصوصها ليست رديفًا للضعف، بل فاعل معرفي وجمالي يعيد رسم الحدود بين الذكر والأنثى، بين القوة والهشاشة، بين القول والصمت.

ختامًا…

تتجاوز الأنوثة في خطاب غادة السمان حدود البيولوجيا، لتتحول إلى بنية سردية ورمزية متعددة الطبقات. ومن خلال عدسة التداولية، يمكن تفكيك هذا الخطاب لنرى كيف تُعيد السمان تشكيل مفاهيم المرأة، الحرية، والذات. إنّها كتابة أنثوية لا تطلب الاعتراف، بل تفرضه بجمالها، بجرأتها، وبصدقها الذي لا يهادن.

اترك رد