منبر العراق الحر :
في تلك الحقبة الرمادية من منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، كانت مدينة الثورة تغرق في ليل كثيف يشبه ذاكرة مثقلة بالحرب.. , حيث كان الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان …
تحولت أزقة “مدينة الثورة” ليلا إلى برزخ معلق بين الوجود والعدم.. , الشوارع لم تكن خالية من البشر فحسب، بل كانت خالية من “الزمن” نفسه؛ لا يقطع صمتها إلا صدى خطوات متباعدة أو نباح كلب ضائع، وكأن المدينة كلها قد انكمشت على نفسها خوفا وانتظارا…
كان الرجال والشباب قد غادروا إلى الجبهات، حيث الحرب تلتهم الأعمار بلا تمييز، وتعيد تشكيل معنى الحياة والموت في آن واحد… ؛ إذ سحب الرجال إلى أتون حرب التهمت الأعمار فرادى وزرافات، فصارت المدينة جسدا بلا ظل، تحرسه أمهات ثكالى وشيوخ ينتظرون ساعي البريد بوجل…
بقيت البيوت مكتظة بالنساء والأطفال والعجائز، كأنها جزر صغيرة في محيط من الغياب، لا تخرج منها الأرواح إلا للضرورة القاهرة، أو في مناسبات اجتماعية عابرة سرعان ما تنفض عن نفسها غبار الفرح المزيف.
في تلك الليالي التي كانت تتساقط فيها أرواح الرجال كأوراق الخريف على جبهات الحروب العبثية، كانت أزقة مدينة الثورة تغرق في صمت كثيف، صمت لا يشبه السكينة، بل يشبه ذاك الفراغ المخيف الذي يتركه الموت خلفه حين يمضي بالاحباب دفعة واحدة إلى العدم.
في الجبهات ، كان الرجال والشبان يقاتلون في معركة الوكالة عن الاخرين “قادسية صدام”، يموتون بالجملة ، لا نصر يحققون ولا وطنا يحمون، بل نيابة عن أطماع ومخاوف خارجية لا تبقي ولا تذر… ؛ أما هنا، في الداخل، فقد تحولت البيوت إلى مقابر صغيرة للأحياء، يلتحف فيها النساء والأطفال والشيوخ بالخوف والقلق والوجل …
في زاوية من ذلك العالم المفرغ، كان نور، ذاك الغلام الصغير …
كان الفتى “نور” – وقد سمته أمه بهذا الاسم تيمنا بضوء لعله يثقب عتمة الروح – لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، غير أن الحياة التي لفظته في مهب الريح جعلته يبلغ من الحنكة ما يفوق أضعاف سنيه …؛ كانتا عيناه مثقلتين بعمر لم يعشه، كأنهما ورثتا ذاكرة أقدم من جسده.
كان يتردد على قريبته “الحاجة صبرية”، تلك العجوز التي كانت تستدعيه يوميا؛ والتي نذرت وقتها لتعليم القرآن، تطلب من نور أن يقرأ عليها ويعينها على الحفظ، وكأن الحروف وحدها كانت قادرة على ترميم ما تهشم من العالم.
“الحاجة صبرية”، تلك المرأة التي لم تكن تملك في آخر أيامها سوى رغبة ملحة في فك طلاسم الكتاب المقدس، كأنها تبحث عن معنى أضاعته خطى عمر تقاذفته المآسي.
وفي ليلة كاحلة، انقطع فيها التيار الكهربائي ليترك المدينة تحت رحمة فوانيس النفط الشاحبة، خرجت “سعدية ” (٣٥ عاما) تبحث عن جرعة دواء لطفلتها التي ينهشها السعال… ؛ كان عليها المرور بـ “شارع الداخل” المحاذي لبناية نادي الفارس العربي – ذلك المعقل الذي كان يضم بعثيي المدينة القساة – ؛ حيث تفوح من الغرف العفلقية رائحة الخوف والتعذيب والاغتراب .. ؛ ومقابل الجدار الأيمن، رصت نفسها سلسلة من محلات مهجورة، أبوابها مؤصدة كأفواه نسيت الكلام، بعد أن تركها أصحابها وذهبوا إلى الحرب.
كانت تحمل على كتفيها ثقل عمرين: عمر عاشته، وآخر لم يعش بعد… ؛ خرجت قبل الغروب بنص ساعة , مع طفلتها الرضيعة المريضة بحثا عن دواء …
وما إن خطت سعدية في ذلك الممر الذي يفصل بين بناية نادي الفارس العربي والمحلات المهجورة حتى شعرت بأن الهواء تغير، وأن المكان فقد انتظامه المألوف… ؛ لم تر شيئا واضحا، لكن إحساسا غريبا اجتاحها، كأن الزمن انكسر لثوان ثم عاد مختلفا…
انشق جيب الظلام، وارتطم بها “شيء” لم تعرف له كنها، كان أسرع من الضوء، وأخفى من الروح… ؛ لم يكن ارتطاما جسديا، بل كان اقتحاما للذات، خرقا لحواجز الوعي، ففقدت صوابها في لحظة، كأن الزمن توقف في شريانها…
نعم , عند نقطة التلاشي بين جدار بناية الحزب وبقايا المحلات – الدكاكين – المهجورة، حدث الشرخ الميتافيزيقي.
لم يكن شيئا ماديا ما هبط عليها، بل كان “تكثفا طاقيا سلبيا ظلاميا ” لكل العذابات والآلام المحبوسة في ذلك المكان وتلك المدينة المنكوبة… ؛ ففي لحظة خاطفة، اخترقت وعيها صدمة باراسايكولوجية عنيفة؛ شحنة من الوعي الجمعي الوعر لضحايا الحرب وقتلى النظام ؛ انمحت الأنا الفردية لـ “سعدية”، وتلبس جسدها “الوعي الكوني المعذب”.
لم يكن ذلك اعتداء جسديا، بل كان اختراقا ميتافيزيقيا للكيان، كأن روحا هائمة من أرواح الضحايا الذين سحقوا هنالك قد التصقت بروحها الحية طلبا للشهادة …
فقدت سعدية صوابها في الحال، وبدأ لسانها يلفظ كلمات غريبة بلغة سريانية قديمة لم تعرفها في حياتها الواعية، وترددت على شفتيها الجافتين أسماء ملوك الجن وأرواح العالم السفلي في ترتيب رهيب … ؛ كأنها تستدعي ملوك الجان، أو تستعيد صرخات أمم رافدينية غابرة… ؛ ومضت في سيرها، لا بإرادتها، بل كأن قوة غيبية عاتية تسوقها سوقا نحو دارها…
تابعت طريقها مسرعة، لا تعرف إن كانت تهرب من شيء أم تقاد إلى شيء لا اسم له.
في تلك اللحظة، لم تكن سعدية سوى مرآة لوعي مدينة كاملة. فالجني الذي اقتحمها لم يكن سوى “الآخر” المكبوت في لا واعي الجمع؛ ذلك الخوف الأزلي من العدوان، ومن جدار البعث القاسي، ومن الغياب الذكوري الذي حول النساء إلى أوعية للرعب والفقد والحسرة والخوف والجفاف العاطفي … ؛ إن غيبوبتها ليست نسيانا، بل هي حجاب رحيم وضعته النفس لتحمي نفسها من رؤية حقيقتها: أنها كانت تسكن جسدا استعارته أرواح الغائبين والقتلى والمعذبين .
كان “نور” منهمكا في تعليم الحاجة صبرية آيات القران ، اذ كان يرتل آيات السكينة، وصوت الحاجة صبرية يتلعثم خلفه كظل خجل … ؛ غير عالم بأن العتمة نفسها كانت تتسلل إليهما من ثغر لا يرى…
وبينما كانا على تلك الحال، إذا بسعدية تدخل الغرفة على عجل، يلهث القلق في عينيها قبل أن تنطق بكلمة …
كانت ترتجف.. , دفعت طفلتها نحو الحاجة صبرية فجأة، ثم سقطت هي على الفراش، وكأن خيوط الجسد قد انقطعت دفعة واحدة…
وجسدها يهتز على إيقاع لغة مجهولة، ليست لغة البشر اليومية، بل ترانيم آرامية وسريانية قديمة ؛ لغة الأرض الأولى حين كانت تصرخ من وطأة أول قطرة دم سفكت عليها…
بدأت تتلوى كأفعى مذعورة وتئن، وتغيب وتعود، وعيناها تحدقان في سقف لا تراه، وشفاهها تتمتم بكلمات غير مفهومة، كأن لغة أخرى تحاول أن تتكلم عبرها…
ثم صرخت صرخة مزقت حيز المكان.. ؛ وجحظت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وازرق لسانها كلون السماء في أعمق لحظات الشتاء، وجفت شفتاها المتشققتان حتى صارتا كقطعتي خشب…
ارتبكت عمتها الحاجة صبرية ، لكن الفتى “نور” أدرك بحسه الروحي أن “سعدية” ليست ممسوسة بشيطان، بل هي “ممسوسة بالحقيقة”؛ لقد انفتح بصيرتها فجأة على ألم الوجود الإنساني في أسمى وأقسى تجلياته الميتافيزيقية.. , تداخلت طاقة المكان المرعبة مع روحها الشفافة.
اقترب نور ، ولم يقرأ القرآن بنية طرد “الآخر”، بل قرأه بنية “السلام والسكينة” للروح المعذبة.. , لكن الصوت القرآني، بدل أن يسكنها، كان كالنار تزيد الجلد التهابا؛ فازدادت صراخا، وكأن النور يحرق ما في داخلها من ظلمات قديمة.
ثم وضع يده على جبهتها وبدأ يرتل: ((يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية)).. , كان صوته بمثابة جسر طاقي يعيد وعيها الشارد من أبعاد الكون السحيقة إلى سجن الجسد الأرضي.
أحضرت الحاجة صبرية ماء منقوعا بـ “الورد والقرنفل”، ورشته على وجهها… , تحول صراخ سعدية إلى نشيج روحي طويل، كأنها تبكي نيابة عن كل الأرامل والموتى في الجبهات والمعتقلات الصدامية .. , وما إن شربت قطرات من الماء، حتى حدث “التفريغ الطاقي” الكامل.. , سقطت كقطعة قماش بيضاء في نوم مغناطيسي عميق.
نور : هو الراعي الصغير الذي يحمل شعلة الروح في عصر انقطاع الوحي واضمحلال الطاقات الايجابية وشيوع الطاقات الظلامية والشيطانية والبعثية المقيتة ؛ يحاول أن يزود الجسد المفقوع بلغة السماء، غير عالم أن بعض الجراح لا تداوى بالآيات، بل بالعودة إلى جذر الألم في الميثولوجيا القديمة.. , واللغة السريانية التي نطقت بها ليست لغة جن، بل هي صدى أمة مدفونة تحت رمال الحرب والقهر الصدامي ، تستعيد حقها في الكلام عبر جسد امرأة ضعيفة، في تجل ميتافيزيقي يثبت أن الأرواح لا تموت، بل تنتقل إلى حوامل جديدة حين تضيق بها الأرض.
في الفجر، حين تسلل الضوء الأول إلى النوافذ، فتحت عينيها.. , كانت المدينة كما هي، لكن شيئا فيها قد تغير.. , نظرت حولها بصمت طويل، ثم سألت بصوت خافت عن سبب وجودها في غرفة عمتها الحاجة صبرية ، وكأن الذاكرة نفسها قد أغلقت بإحكام…
لم تتذكر شيئا… , لا الزقاق، لا الصيدلية، لا اللغة السريانية، ولا ملوك الجن.. , كان عقلها قد محا الحلقة بأكملها، كأن نافذة الروح قد أغلقت على مشهد لا يحتمل التذكر.
ولا أحد في الغرفة كان قادرا على الجزم بما حدث حقا:
أكان خوفا؟ أم انهيارا نفسيا؟ أم أن للمكان نفسه ذاكرة خفية تلتهم من يمر به؟
بقي السؤال معلقا في الزقاق، مثل ظل لا يزول…
ومثل مدينة تعيش بين الواقع والغياب، لا تدري إن كانت تشفى… أم تتذكر فقط..
ثم رفعت رأسها إلى الحاجة صبرية ورحيم، وسألت بصوت طفلي بريء، خال من أي أثر لليلة الماضية:
– ماذا جرى؟ لماذا أنا هنا؟
سؤال سعدية البريء في الصباح: “ماذا جرى؟” هو سؤال الإنسان الأبدي عن معنى الآلام…
إن الغيبوبة هي استجابة وجودية للا معنى؛ فقد آثر العقل العدم على معرفة شر الحقيقة، كأن الذاكرة نفسها كانت تحتاج إلى رقية من الفزع الذي لا يحتمل.
في تلك الليلة، لم يكن الجني قد اقتحم سعدية، بل اقتحمت سعدية حائط الواقع، فرأت ما وراء الجدار من كائنات تكون مصير البشر…
أما “نور”، فقد خرج من تلك الليلة بشيء قد فقد منه إلى الأبد، وشيء آخر قد ولد في أعماقه… ؛ لقد فقد براءة الاعتقاد بأن العالم يسير بمنطق مفهوم، ولكنه ولد من جديد بوعي مرعب أن الحروب والهموم والنكبات والصراعات والمصائب لا تنتهي بإعلان السلام أو برفع الشعارات ، بل تستمر في التسلل إلى أرواح الناس، وفي الأزقة المعتمة، وفي ذاكرة الجدران. وأن الكتاب المقدس، الذي كان يحمله ليعلمه للحاجة صبرية ، لم يكن يحمل إلا النور، لكن العتمة كانت خارجه، في قلوب الناس، وفي تاريخ المكان المنحوت بالدم والقهر والدموع .

منبر العراق الحر منبر العراق الحر