الملخص التنفيذي

قراءة استراتيجية لموازين القوى خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى بعد انطلاق «حملة الفجر»

دخلت «حملة الفجر» يومها التالي وقد تجاوزت كونها عملية أمنية وقضائية تستهدف ملفات الفساد، لتتحول إلى اختبار شامل لقدرة الدولة العراقية على إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام السياسي، واستعادة احتكارها لمفاصل القرار المالي والأمني والإداري. فبعد مرحلة المداهمات والاعتقالات، انتقل مركز الثقل إلى مرحلة تثبيت النتائج، وهي المرحلة الأكثر حساسية، حيث تتقاطع الضغوط الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.

ميدانياً، واصلت الدولة تعزيز انتشارها حول المؤسسات السيادية والبنى المالية الحساسة، وفي مقدمتها البنك المركزي العراقي ومفاصل الحوكمة المالية، مع إبقاء قوات النخبة في حالة جاهزية عالية لاحتواء أي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة أو إعادة تنظيم شبكات النفوذ المتضررة. ويشير ذلك إلى انتقال الحكومة من مرحلة تنفيذ العملية إلى مرحلة حماية مكتسباتها ومنع أي ارتداد أمني أو مالي.

سياسياً، شهد المشهد العراقي تحولاً مهماً مع اتساع دائرة الدعم الشعبي للحملة، وظهور دعوات للتظاهر تأييداً لإجراءات مكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة، باعتبارها خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إصلاح مؤسسات الدولة. كما أسهم موقف مقتدى الصدر الداعم للحملة في تعزيز الغطاء الشعبي للحكومة، بينما منح موقف المرجعية الدينية العليا المؤيد لجهود مكافحة الفساد زخماً أخلاقياً ومعنوياً عزز شرعية المسار القضائي والمؤسسي. إلا أن هذا التأييد، رغم أهميته، يبقى بمثابة دعم لمسار الإصلاح وسيادة القانون، وليس حكماً مسبقاً على النتائج، التي ستظل مرهونة بقدرة الدولة على استكمال الحملة بمهنية وعدالة، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.

اقتصادياً، أصبحت المواجهة تتمحور حول حماية النظام المالي الرسمي وتجفيف مصادر الاقتصاد الموازي، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بمتطلبات الامتثال المالي الدولي، ومراقبة حركة رؤوس الأموال، واستقرار سوق الصرف، بما يجعل نجاح الحملة مرتبطاً بقدرة الدولة على المحافظة على ثقة الأسواق والمؤسسات المالية، ومنع انتقال الاضطراب الأمني إلى القطاع الاقتصادي.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فتشير المؤشرات إلى توافق ضمني بين الأطراف المؤثرة على ضرورة احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة مسلحة واسعة. وبينما تركز الولايات المتحدة على استكمال مسار الإصلاح المالي وتجفيف شبكات التمويل غير المشروع، تبدو إيران أكثر اهتماماً بمنع أي صدام داخلي يهدد استقرار الساحة الشيعية أو يفضي إلى انهيار التوازنات القائمة، في حين تراقب الدول العربية تطورات الحملة بوصفها اختباراً لمدى قدرة بغداد على ترسيخ سلطة الدولة وتحسين بيئة الاستثمار.

التقدير الاستراتيجي

تشير معطيات اليوم التالي إلى أن «حملة الفجر» دخلت مرحلة تثبيت النتائج، وهي المرحلة التي غالباً ما تحدد نجاح أو إخفاق عمليات الإصلاح الكبرى. فالمعيار الحقيقي لم يعد عدد أوامر القبض أو الأموال المصادرة، بل قدرة الدولة العراقية على تحويل الزخم الأمني والقضائي إلى إصلاح مؤسسي مستدام، يعيد بناء الثقة بالمؤسسات، ويكرس سيادة القانون، ويمنع إعادة إنتاج منظومات النفوذ والفساد تحت مسميات أو هياكل جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى صدام سياسي أو أمني مفتوح.