منبر العراق الحر :
حديث الأستاذ علي الزيدي في الاجتماع الاستثنائي أمس، حمل دلالات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، فالرجل لم يكتفِ بإطلاق الشعارات التي اعتاد العراقيون سماعها عن مكافحة الفساد، كما فعل رؤساء حكومات سابقون، بل رسم ملامح منهج عملي واضح، يقوم على خطوات تنفيذية لاسترداد أموال الشعب المنهوبة، وأعلن أنه سيتابع تنفيذها بنفسه، وبشكل مباشر، وبالتعاون الوثيق مع السلطة القضائية.
ويأتي ذلك متزامنًا مع إعلان رئيس مجلس القضاء الأعلى، الدكتور فائق زيدان؛ عن سقوط جميع الخطوط الحمراء في ملاحقة الفاسدين، وهو تصريح يحمل دلالة مهمة إذا ما تُرجم إلى إجراءات حقيقية تطال الجميع بلا استثناء.
في الظروف الطبيعية، يُفترض أن يكون التعاون بين السلطتين التنفيذية والقضائية في مكافحة الفساد أمرًا اعتياديًا، لا يحتاج إلى أجواء أمنية استثنائية أو احتفاء شعبي واسع، لكن ما شهده العراقيون خلال اليومين الماضيين عكس حجم الترقب الذي عاشوه لسنوات طويلة، حتى بدا وكأن لحظة طال انتظارها قد حانت أخيرًا، وبشكل مفاجئ، يشبه في وقعه وصول الزيدي إلى رئاسة الوزراء.
كما أن الحماس والانفعال اللذين طبعا حديث الزيدي يعكسان، بالنسبة للمتابع، إصرارًا على المضي في هذه الحملة مهما بلغت التحديات والضغوط، الداخلية منها والخارجية، لأن الهدف المعلن هو وقف نزيف المال العام، وتجفيف منابع النهب وغسل الأموال، وهي عمليات استنزفت مليارات الدولارات، بما يكفي لتمويل موازنات دول، بينما حُرم العراقيون من أبسط حقوقهم في العيش الكريم، والخدمات، والدواء.
إن كل جهد صادق يُبذل في سبيل اجتثاث الفساد يستحق الدعم والإسناد، لكن نجاح هذه المعركة يبقى مرهونًا بالوصول إلى كبار حيتان الفساد، من مختلف الانتماءات السياسية والطائفية، دون انتقائية أو استثناء. كما أن حجم الفساد المتراكم على مدى سنوات طويلة يجعل هذه المهمة شاقة ومعقدة، وتتطلب نفسًا طويلًا، وإرادة سياسية ثابتة، وإسنادًا وطنيًا واسعًا، حتى تتحول هذه الحملة إلى مشروع دولة، لا إلى حملة مؤقتة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر