«هل يعيش العالم نهاية “القرن الأميركي الأول”… وبداية “القرن الأميركي الثاني”؟»…د.ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…فرضية استراتيجية لقراءة التحول في الاستراتيجية الأميركية في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة…

التقرير الاستراتيجي رقم (23) : «تقرير القرن الأميركي الثاني»

التاريخ: 4 تموز / يوليو 2026

 الذكرى الـ250 لأميركا

“لا تُولد الإمبراطوريات الجديدة عندما تتغير خرائط العالم… بل عندما تتغير فلسفة القوة التي تحكمها.”

⏺️ المقدمة :

منذ نهاية الحرب الباردة، لم يكن السؤال الحقيقي داخل الولايات المتحدة: هل ستقود أميركا العالم؟ بل كان السؤال الأعمق: كيف ستقوده؟

فعندما انهار الاتحاد السوفيتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها للمرة الأولى في تاريخها الحديث أمام لحظة استراتيجية استثنائية؛ قوة عظمى بلا منافس مكافئ، تمتلك التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والسياسي في آنٍ واحد. ومن هذه اللحظة وُلد المشروع الذي عُرف لاحقًا باسم «القرن الأميركي»، بوصفه رؤية تسعى إلى تثبيت الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، ومنع ظهور أي قوة قادرة على منافستها.

وعلى مدى ثلاثة عقود، بدا هذا المشروع وكأنه يمثل الحقيقة الثابتة في السياسة الدولية. فقد توسعت الأحادية القطبية، وتعززت العولمة، واتسعت التحالفات الأميركية، بينما تحولت واشنطن إلى مركز الثقل الذي يدير معظم الأزمات الدولية.

غير أن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة.

فالحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، والأزمة المالية العالمية، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي، والانقسام الداخلي الأميركي، جميعها دفعت المؤسسة السياسية في واشنطن إلى إعادة طرح سؤال أكثر خطورة:

هل أصبحت الإمبراطورية الأميركية عبئًا على الولايات المتحدة نفسها؟

ومن هنا بدأ التحول الحقيقي.

فلم يعد الجدل يدور حول ضرورة بقاء الولايات المتحدة القوة الأولى في العالم، وإنما حول الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها هذه القوة، وحدود كلفتها، وطبيعة الأدوات التي تحقق مصالحها في عالم تغيّرت فيه موازين القوى بصورة متسارعة.

وفي هذا السياق، برز دونالد ترامب بوصفه أحد أبرز تعبيرات هذا التحول. فلم يأتِ ليهدم المشروع الأميركي، ولم يعلن نهاية الهيمنة الأميركية، بل طرح رؤية مختلفة لإدارة هذه الهيمنة؛ رؤية تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين القوة والمصلحة، وبين القيادة والكلفة، وبين الداخل الأميركي والنظام الدولي.

ومن هنا تنطلق الفرضية المركزية لهذا التقرير.

فهو لا يدّعي أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها العالمية، كما لا يدّعي أن العالم دخل مرحلة ما بعد أميركا، وإنما يقترح نموذجًا تحليليًا جديدًا يقوم على التمييز بين مرحلتين مختلفتين في تطور المشروع الأميركي:

«القرن الأميركي الأول»…

و «القرن الأميركي الثاني».

ولا يُقصد بهذين المصطلحين تقسيمًا تاريخيًا معتمدًا في الأدبيات السياسية، بل إطارًا تحليليًا يساعد على تفسير التحول الجاري في فلسفة القوة الأميركية، وانتقالها من نموذج الهيمنة الليبرالية العالمية إلى نموذج أكثر انتقائية وبراغماتية، يعيد ترتيب أدوات النفوذ، ويعيد توزيع كلفة القيادة، ويجعل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والدولار، والردع الذكي، عناصر متقدمة على نماذج التدخل العسكري التقليدي.

ومن هذا المنطلق، يسعى التقرير إلى الإجابة عن سؤال قد يكون من أكثر أسئلة العقد الحالي أهمية:

هل يعيش العالم بالفعل نهاية«القرن الأميركي الأول»… وبداية «القرن الأميركي الثاني»؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا يكتفي التقرير بقراءة السياسات الأميركية الراهنة، بل يحاول إعادة بناء المنطق الذي يحكمها، انطلاقًا من فرضية أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ عندما تتغير الخرائط، وإنما عندما تتغير الفلسفة التي تُدار بها القوة.

1️⃣ الفصل الأول : لماذا نحتاج إلى تقسيم جديد؟

ظل مفهوم «القرن الأميركي» طوال العقود الماضية يُستخدم بوصفه مرحلة تاريخية واحدة، بدأت مع صعود الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتعززت بانهيار الاتحاد السوفيتي، عندما أصبحت واشنطن القوة الوحيدة القادرة على صياغة قواعد النظام الدولي.

وقد تعاملت غالبية الأدبيات السياسية مع هذه المرحلة باعتبارها مسارًا متصلًا، رغم أن أدوات القوة الأميركية، وأولوياتها، وحتى فلسفة إدارتها للعالم، شهدت تغيرات عميقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

ومن هنا ينطلق هذا التقرير من فرضية مختلفة.

فهو لا يسأل:

هل انتهى «القرن الأميركي»؟

بل يطرح سؤالًا آخر أكثر أهمية:

هل انتهت المرحلة الأولى من القرن الأميركي، بينما تتشكل أمامنا مرحلة ثانية تختلف في فلسفتها وأدواتها ومنطقها الاستراتيجي؟

إن هذا التقرير لا يقدم تقسيمًا تاريخيًا جديدًا، ولا يسعى إلى استبدال المصطلحات المعتمدة في الفكر السياسي، وإنما يقترح نموذجًا تحليليًا يساعد الباحثين على قراءة التحول الجاري داخل الاستراتيجية الأميركية، تمامًا كما ظهرت في تاريخ العلاقات الدولية نماذج تفسيرية جديدة كلما شهد النظام الدولي تحولًا في بنيته أو في فلسفة إدارته.

فليست كل التحولات الكبرى تبدأ بانهيار دولة أو اندلاع حرب شاملة.

وأحيانًا…

تبدأ عندما تعيد القوة العظمى تعريف الطريقة التي تستخدم بها قوتها.

2️⃣ الفصل الثاني : «القرن الأميركي الأول»

(The First American Century)

“كل إمبراطورية تحمل في داخلها لحظة إعادة تعريفها.”

يقترح هذا التقرير إطلاق تسمية «القرن الأميركي الأول» على المرحلة التي امتدت – تحليليًا – من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بداية التحول الفكري والاستراتيجي الذي برز بوضوح مع صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم.

ولا يُقصد بهذه التسمية تقسيمًا تاريخيًا رسميًا، وإنما توصيفًا لمرحلة اتسمت بفلسفة محددة في ممارسة القوة الأميركية وإدارة النظام الدولي.

فبعد عام 1945، خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية وهي تمتلك أكبر قاعدة صناعية في العالم، وأقوى اقتصاد، وأضخم قدرة عسكرية، لتصبح القائد الفعلي للنظام الدولي الجديد.

ثم جاء انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ليمنح واشنطن فرصة تاريخية غير مسبوقة، إذ أصبحت للمرة الأولى القوة العظمى الوحيدة القادرة على رسم قواعد النظام العالمي دون وجود منافس مكافئ.

ومن هنا تبلورت الفلسفة التي حكمت السياسة الأميركية طوال العقود التالية.

فقد قامت على قناعة راسخة بأن أمن الولايات المتحدة يبدأ من استقرار النظام الدولي، وأن قيادة العالم ليست امتيازًا سياسيًا فحسب، بل مسؤولية استراتيجية تفرضها مكانة واشنطن العالمية.

وبناءً على ذلك، تشكلت ملامح القرن الأميركي الأول وفق مجموعة من الخصائص الرئيسة:

◾️ قيادة النظام الدولي.

◾️ الأحادية القطبية.

◾️ العولمة الليبرالية.

◾️ التدخل العسكري عند الضرورة.

◾️ حماية الحلفاء.

◾️ تحمل الولايات المتحدة الكلفة الكبرى لاستمرار النظام الدولي.

ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت أساسًا للعقيدة الاستراتيجية الأميركية.

فأنشئت التحالفات الأمنية الكبرى، وتوسعت المؤسسات الدولية، وانتشرت القواعد العسكرية الأميركية في مختلف القارات، بينما تحولت البحرية الأميركية إلى الضامن الرئيس لحرية التجارة العالمية، وأصبح الدولار العمود الفقري للنظام المالي الدولي.

وفي ظل هذه الفلسفة، كانت واشنطن تنظر إلى كلفة القيادة بوصفها استثمارًا طويل الأمد.

فكل دولار يُنفق لحماية النظام الدولي كان يُنظر إليه باعتباره حماية مباشرة للمصالح الأميركية نفسها.

ولهذا، لم تكن التدخلات العسكرية الخارجية تُقرأ داخل المؤسسة الأميركية باعتبارها حروبًا منفصلة، بل أدوات للحفاظ على منظومة دولية ترى الولايات المتحدة أنها الضامن الوحيد لاستمرارها.

وقد بلغت هذه الفلسفة ذروتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين تبنت الإدارة الأميركية مفهوم الحرب الاستباقية، واتجهت إلى استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة لإزالة التهديدات قبل تحولها إلى أخطار فعلية.

وكانت حربا أفغانستان والعراق التعبير الأكثر وضوحًا عن هذه المرحلة.

غير أن السنوات اللاحقة كشفت حدود هذا النموذج.

فالحروب أصبحت أطول مما خُطط لها.

والكلفة تجاوزت التقديرات.

والنتائج السياسية جاءت أكثر تعقيدًا مما توقعه صانع القرار الأميركي.

ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل داخل الولايات المتحدة قناعة جديدة.

لم تعد المشكلة في قدرة أميركا على قيادة العالم…

بل في الثمن الذي تدفعه مقابل استمرار هذه القيادة.

وهنا تحديدًا…

بدأت البذور الأولى للتحول الذي سيقود لاحقًا إلى ما يقترحه هذا التقرير تحت مسمى:

«القرن الأميركي الثاني».

3️⃣ الفصل الثالث : ولادة «القرن الأميركي الثاني» عندما تتغير فلسفة القوة

“لا تُولد الإمبراطوريات الجديدة عندما تتغير خرائط العالم… بل عندما تتغير فلسفة القوة التي تحكمها.”

إذا كان «القرن الأميركي الأول» قد وُلد من رحم انتصار تاريخي أعقب الحرب العالمية الثانية، فإن «القرن الأميركي الثاني» – وفق الفرضية التي يقدمها هذا التقرير – لا يولد من انتصار عسكري جديد، بل من مراجعة عميقة لفلسفة استخدام القوة نفسها.

وهنا تكمن نقطة التحول.

فالمشهد الدولي الراهن لا يشير إلى أفول الولايات المتحدة كما يذهب بعض المحللين، ولا إلى استمرارها بالصورة ذاتها التي عرفها العالم طوال العقود الثمانية الماضية.

بل إن القراءة الأكثر اتزانًا قد تكون أننا نقف أمام انتقال من نموذج استراتيجي إلى نموذج آخر.

لقد قام «القرن الأميركي الأول» على مبدأ واضح:

الولايات المتحدة تقود العالم لأنها تتحمل مسؤولية النظام الدولي.

أما «القرن الأميركي الثاني»، فيقوم على مبدأ مختلف:

الولايات المتحدة ستقود العالم… ولكن وفق قواعد تجعل هذه القيادة أقل كلفة، وأكثر ربحية، وأكثر انسجامًا مع مصالحها القومية.

ومن هنا يتغير مفهوم الهيمنة ذاته.

فلم تعد القيادة تعني تحمل الأعباء منفردة.

ولم تعد التحالفات تعني التزامات مفتوحة.

ولم تعد القوة العسكرية الوسيلة الأولى لتحقيق الأهداف السياسية.

لقد بدأت أدوات القوة نفسها تعيد ترتيب أولوياتها.

ويقوم «القرن الأميركي الثاني» – وفق هذا النموذج التحليلي – على ستة مرتكزات رئيسة:

◾️ الاقتصاد قبل الجيش.

◾️ التكنولوجيا قبل الاحتلال.

◾️ الدولار قبل الدبابة.

◾️ الشراكة في الكلفة.

◾️ الردع بدل إعادة بناء الدول.

◾️ المنافسة مع الصين باعتبارها التحدي البنيوي الأكبر للولايات المتحدة خلال القرن الحادي والعشرين.

وبذلك، لا تتخلى واشنطن عن موقعها القيادي، لكنها تعيد تعريف معنى القيادة.

إنها لا تنسحب من العالم…

بل تعيد هندسة طريقة إدارتها له.

وهذا هو التحول الجوهري الذي يحاول هذا التقرير تفسيره.

فالولايات المتحدة لم تعد تقول للعالم:

“سنقودكم لأن استقراركم مسؤوليتنا.”

بل أصبحت أقرب إلى القول:

“سنقود النظام الدولي… لكن وفق قواعد تجعل القيادة استثمارًا لا عبئًا.”

 


Sent from my iPhone

اترك رد