مرة اخرى .. لمـاذا، ولمن، تمثال للجواهري على ضفاف دجلة ؟! – رواء الجصاني (*)

منبر العراق الحر :غصت وسائل، ومنصات اعلامية كثيرة، خلال الايام القليلة الماضية، باراء وملاحظات، رصينة وسواها، حول مشروع تمثال / نصب الجواهري ضمن حدائق “كورنيش” شارع ابي نؤاس، على نهر دجلة وسط بغداد، والتي راحت تكتمل متطلبات اتمامه وافتتاحه رسميا قريبا كما هو متوقع، وعسى ان يكون ذلك بمناسبة ذكرى رحيله السنوية التاسعة والعشرين التي ستصادف بتاريخ 2026.7.27 ..
لقد تنوعت الرؤى، والتقيمات للنصب بين الحرص من مثقفين واكاديميين ومختصين كرماء، وغيرها انفعالية وعاطفية وعامة.. وما علينا هنا بـملاحظات ومساهمات “اللمازين” واالنهازين، واربابهم.. كما فضلّ ذوات أخرون التريّث في اعلان واشاعة ما يجيش عندهم بهذا الشأن، لحين االانتهاء من ختاميات المشروع من جوانبه الاخرى، الضرورية، ولعلّـنا كنا من بين اولئك المتريثين.. ومع ذلك دعونا نعود لنحو عام من الان لاستعادة بعض الخلاصات ذات الصلة، كتبت فور البدء بالفكرة والاجراءات التنفيذية، وقد تم نشرها في وسائل اعلام عديدة اوائل ايلول 2025 تحديدا..
لقد جاء في تلكم الخلاصات التي حملت عنوان ” تمثال للجواهري على ضفاف دجلة !… لماذا، ولمـن”؟! :ان ذلك االتوجه والسعي، الثقافي والرسمي: لفتة مميزة، ومعبرة، خاصة وانها جاءت في اوقات وظروف، بالغة التعقيد والتجاذبات المتقابلة التي تشهدها البلاد والامة العراقية.. كما ان ثمة طموحٌ بان يكون التنفيذ متناسبا مع اهمية صاحب العلاقة، الوطنية والثقافية – الجواهري- وما تتجمع عنده، من سمات وعوالم، ونبوغ، عراقي وعربي، وانساني استثنائي، وبأجماع او يكاد، من مختلف الاوساط المعنية، العامة والخاصة، التي تحترم، وتستوعب، وتقدر التاريخ والرموزية والعبقرية، والوعي والمعرفة وشؤون الادب والفكر..
كما اضافت الخلاصات نفسها في الاستطرادات اللاحقة: برغم صعوبة التفاؤل بان يكون الطموح والمرتجى متكامل الاركان، فنيا وموقعا واهتماما وتميزا، ها نحن نسهم بما يفيد على تلكم الطريق، لا سيّما وان القرار اللافت والمهم يأتي متأخرا.. ومن ضمن دلالاته، ان ثمة مؤشرات اخرى جديدة تقود للتفاؤل بعافية للعراق الذي يستحق بعد تداعيات انظمة الحروب والاستبداد والمعاناة والخيبات والعوق والاحتراب لعقود طويلة.. نقول ذلك ونستبق من “سينابز” و”يدعي” ولا نقول اكثر، فنوثق: ان الامر ليس نصبا او تمثالا جماليا فحسب،، ولكنه ايضا اعتراف من القادرين باهمية التنوير في دفع عجلة الاستقرار والتقدم المرتجاة لعراق عريق، كما اسلفنا القول .. اذ هكذا يعلمنا التاريخ، والحاضر، في البلدان الطموحة، ولدى الشعوب المتطلعة، ونعني الاهتمام والتقدير لعظمائها ورموزها ونبغائها: شعراء وعلماء وفلاسفة ومفكرين..
ولعل جوهر الغاية من هذه الكتابة، ووجهات النظر انها قد تفيد في الاتمام الافضل لهذا القرار الوطني بامتياز، ونبدأ من التقدير اولا، فالاعتراف باهمية ودأب ومبادرة الفنان القدير، البارع، نداء كاظم، الذى رسى العمل على عاتقه.. ونقول وبعيدا عن التدخل برؤاه وكفاءاته: أن العمل الذي سيخلّـد الرمز، والمبادرين له، ومنجزيه، موجهٌ للمتلقين العامة، وليس للنخبة او قطاع محدد، ومن هنا تأتي ملاحظتنا الرئيسة والاهم، وهو ان يكون ذلك الحال مأخوذا بعيّـن الاعتبار في تنفيذ التمثال/ النصب..
وبتوضيح اكثر – اضافت خلاصاتنا قبل عام: ينبغي الاعتراف باننا لسنا من المتخصصين بمجالات الابداع الفني، ومدارسه ولكننا نظـنّ بان “الكلاسيكية” و”الواقعية” هي الاكثر قدرة على انجاز العمل لاظهار “كارزمية” الجواهري، وتقريبه للمتلقين العامين، وهم الاغلبية التي راح الشاعر الخالد منبرا لهم وصوتاً انسانيا نابضا بحبهم، وتبني حقوقهم وتطلعاتهم، والدفاع عنها واعلائها: شعرا ونثرا، ورؤى ومواقف وطنية، ومعاناة متعددة الاشكال والازمنة.. وبايجاز اكثر نرى بأن الاكثر تفضيلا هو نموذجا تمثالي الشاعرين الكبيرين ببغداد: المتنبي للنحات المبدع محمد غني حكمت، ورديفه، اسماعيل فتاح الترك، صاحب تمثال الرصافي، وللمزيد نرفق في نهاية هذه الكتابة صورتي ذينك التمثالين.. ونستبق من جديد فنقول انها ليست دعوة باية حال من الاحوال للتقليد او الاستنساخ، ولكنها بعض اثارة وتوضيح لما نتمنى ان يكون مفيدا امام المبدع نداء كاظم، وهو مقبل على انجاز العمل المميز والمجهد في آن واحد.
وبالارتباط مع الفقرة السابقة اكدت خلاصاتنا ان هناك في مدينتي اربيل والسليمانية انجاز ابداعي مشهود له للفنان البارز سليم عبد الله، ايضا للجواهري الكبير، بنسختين، أقيمتا ونُصبتا هناك منذ ربع قرن بالتمام والكمال (عام 2000 تحديدا) ولكن ثمة تقييمات اخرى حامت وتحوم حول العمل، وخلاصتها هي ان تلك الرؤية الابداعية للمنجز الابداعي لم تأخذ بعين الاعتبار الجمهور المعني في التعرف على الجواهري، صاحب “انا العراق” و” افروديت” و”اتعلم ام انت لا تعلم” و”يا آبن الفراتيّن” و “آمنت بالحسين” و”قلبي لكرستان” و”المقصورة” و”فلسطين الدامية” و”سجى البحر” .. مع اشهار رمزيته وشخصيته واستثنائيته، وبعض افكاره، وعوالمه، كما اسلفنا.. وللتوضيح الاكثر نرفق ايضا صورة لذلك المنجز الابداعي لسليم عبد الله في نهاية هذه الكتابة ..
ومن جديد ومرة اخرى واخرى، واحترازا ممن قد يلوم او يعتب، او “يعيب” التدخل في شؤون يختص بها موهوبون كبار، نحاتون مميزون بشهادات قريبين وبعيدين، نستبق ذلك فنقول انها وجهات نظر ربما تعكس وتنقل اراء شعبية على الاقل، لاغلبية مجتمعية، متعلمين وغيرهم، تريد ان تعرف الجواهري الاقرب لهم:عراقيا وطنيا، شاعرا، عبقريا، عبر “الواقعية” وليس “التجريدية” او”الرومانسية” .. فالعمل المعني – التمثال – وطني بامتياز، و”الجمالية” هنا يبــرع في اظهارها، وتشابك ادائها وابهارها: الفنانون الكفـؤ، لا غيرهم..
ان من المؤكد – بزعم كاتب هذه الخلاصات” ثمة صعوبة، بل وصعوبات، في التمكن من ارضاء الكثيرين بوجهه النظر اعلاه، في اتمام عمل قادر على جمع رموزية الجواهري الخالد، الوطنية والشعرية والثقافية والفنية والجمالية، كلها في تمثال او نصب واحد، وهنا تكمن الابداعية والكفاءة المشهود لها للفنان نداء كاظم، والذي ربما هو آخــذٌ اصلا بعين الاهتمام ما تتضمنه الكتابة هذه، ويقينا انه سيعنى بها بما لا يخــلّ برؤيته الجمالية واسلوبه الفني البارع والسائد عنده من عقود..
وباختصار جديد نقول اننا توخيّنا، ونتوخى، في وجهة، او وجهات، النظر هذه، التأكيد بأن العمل المقبل ليس ابداعا خاصاً، وشخصيا فقط، انما هو اضافة لذلك: شأن عام موجه لمختلف المتلقيـن، من ابسطهم وعيا ومعرفة، الى أوسطهم، وحتى النخب الثقافية والسياسية، وهم فئات متفاوتة الاحجام والاعداد، وهنا نميل الى اهمية الاغلبية منهم.. فالنصب والتمثال لن يكون لفترة زمنية بهدف الاطلاع، بل لا بــدّ وان يؤخذ بنظر الاعتبار انه سيرسخُ في الذاكرة الجمعية، الاحاسيس الاجتماعية، ولازمنة مديدة كما هو مُراد ومطلوبٌ ان لم نكن خاطئين في تقديرنا.. ونعتمد في هذا التقدير على التفاؤل بمسار الاستقرار الوطني والتوجه الحضاري المأمول..
هذا وقد اختتمتُ خلاصاتي قبل عام: ان هناك تفصيلات اخرى ذات صلة سنؤجل الحديث عنها الى فترة قادمة، لانها تتحمل اركانها مؤقتا، ومنها حجم التمثال الذي نتوقع ان يكون بقياسات الجواهري، وقاعدة النص، ولوحة التعريف، فضلا عن الموقع المناسب على ضفاف “دجلة الخير”.. مع الاشارة والتوثيق الى ان نسخة من تلك الخلاصات ذات الصلة وجهت بكل تقدير للذوات المحترمين: رئيس الحكومة في حينها، محمد شياع السوداني، والى مستشاره الثقافي د. عارف الساعدي، وللهيئة الادارية لاتحاد الادباء والكتاب، وللفنان القدير، نداء كاظم، وكذلك الى د.كفاح الجواهري، نجل الشاعر العظيم، والممثل الرسمي لاسرته..
* رواء الجصاني، رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق/ اعيد النشر في 202.7.19
—————————————————————————————–
** مرفقـــات لمزيــد من التوضيــح:
1/ صورة لنصب المتنبي ببغداد، اتمام الفنان البارع محمد غني حكمت..
2/ صورة لنصب الرصافي، اتمام الفنان البارع اسماعيل فتاح الترك..
3/ صورة لنصب الجواهري في مدينتي اربيل والسليمانية، اتمام الفنان البارع سليم عبد الله.
 

اترك رد