نص سردي تعبيري — طفلُ القطيع—– عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
تُصفِّدني حكاياتُ جدّتي القديمةُ، كأنها سلاسلُ نملٍ تنخرُ أعمارَنا.
حكاياتٌ لم تكن سوى طقوسٍ لترويضِ القطيع؛ طنطلٌ عملاقٌ أخرقُ يختطفنا في الظلام، وجنيّةٌ تتخذُ هيئةَ عروسٍ، تتزوّجُ فلاحًا فقيرًا، تأتيه بكنوزِ الملوك، وتُسكِنه القصورَ، تلدُ أطفالًا، لكن أبناءَها عتاةٌ، يشربون النهر، فتعطشُ الحقولُ والناسُ.
وفي نهايةِ الحكاية يكبرون، يقتلون أباهم الإنسيَّ، ثم يطيرون.
حكاياتُنا القديمةُ لا تزالُ فينا، تريدنا أن نظلَّ صغارًا، لا نقرأُ أبجديةَ الحياة.
حتى النسورُ المخيفة، التي كانت أبطالَ حكاياتِ جدّتي، كانت تريدُ أن تأكلنا، ثم تصيرُ غيمةً كئيبةً تُظلِّلُنا، تذبحُ الحلمَ فينا.
يا ليالي جدّتي القديمة، التي أدمنّا الخوفَ فيها، لم تكن لياليكِ جميلةً، وأنتِ تعيدين لنا سردَ الحكايات، كنتِ ركامَ غيومٍ كئيبةٍ، تمطرين الحزنَ فوق قلوبِنا الفقيرة، فتملأُ حكاياتُكِ ذاكرةَ الخوف.
كنتِ تخبريننا أن سلاحفَ النهرِ، حين تحبو على شاطئِ النهر، تتسوّلُ الطحينَ من بيوتٍ يسوقها الفقرُ إلى الموت، قبل أن يموتَ الجوعُ فيها.
وصوتُكِ المخيفُ قلمٌ بمخالبِ النسور، ما زالَ يكتبُ فينا ليلًا عقيمًا، ولا نزالُ ننتظرُ أن يولدَ النهار، فيفتحَ كوّةً في الظلام، لومضةِ أملٍ تمزّقُ عرينَ ليلِ القطيع.
وأنا، صغيرُكِ القديم، ضائعٌ في الطرقات، أبحثُ عن طريقٍ بعيد، عن لحظةِ نقاء، عن يومٍ تتكسّرُ فيه الحكايات، ويسقطُ القناعُ الأخير، فنكتشفُ أنَّ الطنطلَ المخيفَ لم يكن يسكنُ الخرائب، بل كان يكبرُ فينا، يُربّي طفلَ القطيع.

اترك رد