منبر العراق الحر :
قالوا لي: كوني خفيفةً كأنكِ لا تطئين الأرض فالترابُ يا ابنتي يحبُّ أقدام الرجال أكثر.
قالوا:
لا ترفعي صوتكِ
فالبيتُ له جدران
والجدرانُ تحفظُ أسرار النساء.
وحين كنتُ أعود من الحاكورة
بثوبي الملطخ بالطين
كانت أمي تنفض التراب عن ركبتي
وتقول:
اغسلي يديكِ قبل أن تدخلي.
ولم أفهم يومها
أنها كانت تريد أن تغسل عني
ما لا يُغسل.
قالوا لي:
لا تركضي كثيراً
فالفتيات لا يسبقنَ الريح.
فكنتُ أركض.
كنتُ أركض حتى تتعب الحقولُ
من ورائي
حتى تضيع ضفيرتي بين شجرتي زيتون
وحتى أشعر أن جسدي
ليس عورةً على العالم
بل طريقٌ صغير
إلى الحرية.
قالوا:
لا تتسلقي السور
فالسورُ للرجال.
فصعدتُه.
وكانت القرية من فوقه
أصغر مما تخيلت
وكان بيتنا يبدو مثل كفّ أمي
والحاكورة مثل منديل أخضر
وكانت السماء
أقرب من كلامهم.
علّموني أن أخاف الليل
لكن الليل لم يؤذني.
كان يخبئني فقط
حين أبكي دون سبب
أو حين يعود أبي متأخراً
وأظل واقفةً خلف النافذة
أعدُّ السيارات
ولا أعرف أيُّها يحمل الطمأنينة.
قالوا:
إذا جاء الغريب
ادخلي إلى البيت.
ولم يقولوا لي
ماذا أفعل
إذا كان الغريب
قد صار له بيتٌ
في الجهة الأخرى من نافذتي.
قالوا:
احفظي أسماء الشهداء
فالقرية لا تنسى أبناءها.
فحفظتهم.
حفظتُ أسماءهم
كما تحفظ البنات أسماء أغنياتهن
واحداً واحداً
حتى صار في قلبي
مقعدٌ لكل غائب
ثم كبرت.
واكتشفتُ أنني لم أكن
أحفظ أسماء الموتى فقط
كنتُ أحفظ شكل البلاد
من خلالهم.
هذا ابنُ الجيران
وهذا الذي كان يسرق التين من شجرتنا
وهذا الذي وعدني وأنا طفلة
أن يحملني إلى أعلى السرو
إذا كبرت.
كبرتُ
ولم يحملني
كان عليه أن يحمل
بلاداً كاملةً على كتفيه.
قالوا لي:
المرأةُ الصالحة
تخفض عينيها.
فخفضتُهما أحياناً
لكنني كنتُ أرى من تحتهما
كل شيء:
يدَ أمي وهي تعجن الخبز
أبي وهو يصلح باب الحظيرة
امرأةً عجوزاً تجمع الزيتون
بأصابع تشبه جذور الشجر
طفلاً يركض خلف جنازة أبيه
ولا يفهم لماذا لا يعود الموتى إلى البيت.
كنتُ أرى
وهذه كانت خطيئتي الأولى:
أنني رأيت.
ثم قالوا:
البنتُ تُربّى لتتزوج
فكنتُ أضحك في سرّي.
لم أكن أعرف كيف يمكن
لطفلةٍ تحفظ أسماء النجوم
أن تُربّى فقط
لتعرف اسم رجل.
كنتُ أريد أن أعرف
لماذا شجرة الزيتون لا تموت
لماذا يعود السنونو كل عام
لماذا تستطيع أمي
أن تبكي وهي تقطع البصل
ولا يبكي أحدٌ معها
ولماذا كلما غاب رجلٌ
صارت النساء أكثر صمتاً.
وحين كبرتُ قليلاً
قالت لي امرأةٌ:
احذري أن تصبحي كثيرةَ الكلام.
فصرتُ شاعرة.
لم أفعلها انتقاماً منهم.
فقط
لم أجد مكاناً آخر
أضع فيه كل هذا الكلام.
الآن
كلما مشيتُ في قريتي
أشعر أن البنت التي كنتُها
تمشي أمامي.
تسبقني إلى الحاكورة،
تختبئ خلف شجرة التين
تقفز فوق الحجارة،
وتضحك حين أقول لها:
تمهّلي.
تلتفت إليّ
ولا تسمعني.
فأفهم أخيراً
أنها لم تكن طفلةً
كما ظننت.
كانت البلاد
تجرّب المشي في جسد بنت.
وكان عليها
منذ البداية
أن تتعلم كيف تكبر
دون أن تفقد
الطفلة التي تعرف
أن السماء ليست سقفاً.
وأن الحقل ليس ملكاً لأحد.
وأن الخوف
مهما طال
لا يصبح وطناً.
وأن البنت التي قالوا لها:
“اخفضي صوتكِ”
يمكن أن تكبر يوماً
فتصبح صوتَ قريةٍ كاملة.
لكنني، إلى الآن
كلما سمعتُ أمي تناديني من بعيد
أعود طفلةً للحظة.
أترك القصيدة
وأركض
كأنني لم أكبر
كأن الطريق إلى البيت
ما زال قصيراً
كأن أمي
ما زالت هناك
على عتبة الباب
تنفض التراب عن ركبتي
وتقول:
“ادخلي يابنتي
لقد برد الخبز”.
_______________
🖊ماجده الريماوي
فلسطين🇵🇸
١٣_٨_٢٠٢٦
منبر العراق الحر منبر العراق الحر