منبر العراق الحر :توجد بأوروبا دول يمكن قطعها من حدها إلى الآخر بسهولة سيرا على الأقدام في يوم واحد، بل إن بعضها يمكن اجتيازه في ساعتين. من بين هذه الدول، سان مارينو، الأصغر والأكثر عراقة.
سان مارينو دولة فريدة بالفعل، ورغم أنها إحدى أصغر دول العالم، إلا أنها تفتخر بتاريخها العريق ونظام حكمها المتميز، ولها الحق في ذلك، إذ أنها تأسست على يد قديس يُدعى مارينوس “سان مارينو” في 3 سبتمبر من عام 301 الميلادي.
تقول الأسطورة إن مسيحيا اسمه مارينو ارتحل في حوالي عام 301 ميلادي إلى شمال شبه الجزيرة الإيطالية، وصعد إلى قمم جبال تيتانو. هناك، بنى صومعة صغيرة، وسرعان ما بدأت تنتشر شائعات عن حياته التقية، مما جذب الكثير من المتدينين الذين انضموا إليه وأسسوا ديرًا في ذلك الموقع. كانت هذه البداية الأولى لهذه الدولة الصغيرة.
بحلول القرن السادس، وفي خضم تفكك إيطاليا، عززت هذه المستوطنة استقلالها الفعلي. ويعود أول ذكر موثق لمستوطنات مستقلة في هذه المنطقة إلى عام 885. في ذلك العام تحديدا، نالت سان مارينو استقلالها النهائي عن دوقية أوربينو.
علاوة على ذلك، تُعد سان مارينو أقدم جمهورية في العالم، ويعود تاريخ حكومتها الدستورية إلى عام 1600. كما أنها الدولة المدينة الإيطالية الوحيدة الباقية، وقد عاشت بلا حروب أو صراعات سياسية منذ أكثر من 1700 عام.

تعتمد سان مارينو تقويما خاصا يبدأ من تاريخ تأسيسها، وهذا يعني أننا نعيش حاليا على هذه الجبال في قرنها السابع عشر. يحكم البلاد قائدان يُطلق عليهما لقب “الوصيين”، ويتم انتخابهما من قبل برلمان صغير لمدة ستة أشهر فقط.
يبلغ عدد سكان سان مارينو حوالي 34 ألف نسمة، وتقع البلاد بالكامل تقريبا على سفوح وقمم سلسلة جبال مونتي تيتانو. لا تتمتع سان مارينو بأي نفوذ سياسي في العالم، فهي أشبه ببلد أسطوري، ويُعد قطاع السياحة مصدر دخلها الرئيسي.
تُعتبر سان مارينو من أقدم الجمهوريات الحية في العالم، وقد تطور نظام حكمها تدريجيا. في البداية، كان هناك مجلس شعبي يُسمى “أرينغو”، ثم شُكل مجلس تمثيلي هو المجلس العام الكبير، لمعالجة الشؤون الجارية. وفي عام 1243، عُين أول الحكام، وهم يُنتخبون كل ستة أشهر ويخدمون بشكل جماعي. وفي عام 1600، جرى اعتماد أحد أقدم القوانين السارية، وهو قانون سان مارينو.
قبل أن تتوحد إيطاليا، حاول حكام العديد من الدول المحيطة بسان مارينو ضم هذه المستوطنة الجبلية إلى أراضيهم، إلا أنهم واجهوا عقبة المنحدرات الوعرة التي تغطي ما يقرب من 80 بالمئة من أراضي الدولة. ولم يتم احتلال هذه المنطقة المعزولة، ولعدة أيام فقط، إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية على يد القوات الألمانية المنسحبة.
سعت سان مارينو، على مر الزمن، إلى تجنب الصراعات العسكرية الكبرى والحفاظ على استقلالها، وهي ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات وثيقة معهما من خلال اتحاد جمركي واستخدام عملة اليورو.

في فترة الحرب العالمية الأولى، التزمت سان مارينو الحياد رسميًا، لكن 20 متطوعا من سكانها قاتلوا إلى جانب إيطاليا، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمبراطورية النمساوية المجرية. كما أعلنت سان مارينو حيادها خلال الحرب العالمية الثانية، لكنها تعرضت لقصف خاطئ من قبل قوات الحلفاء الجوية عام 1944، ثم احتلتها ألمانيا لفترة وجيزة.
في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تصاعدت التوترات في العلاقات مع إيطاليا بسبب خطط افتتاح كازينوهات، وفي عام 1953، وقّع الجانبان اتفاقية تحظر مثل هذه المؤسسات.
في ستينيات القرن العشرين، بدأ القطاع المصرفي والسياحة بالازدهار في سان مارينو، وفي عام 2002، اعتمدت سان مارينو عملة اليورو رسميا، على الرغم من أنها ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي.
يرتكز اقتصاد هذه الدولة القزمية في الوقت الحالي على السياحة، إذ يزورها حوالي 3 ملايين زائر سنويا، بالإضافة إلى القطاع المصرفي، وإنتاج الخزف، والطوابع والهدايا التذكارية، كما تضم منطقة تجارة حرة.
على الرغم من مساحتها البالغة 61 كيلومترا مربعا فقط، تحافظ سان مارينو على هوية مميزة رغم كونها محاطة بإيطاليا، فلها مقوماتها الخاصة وجواز سفرها الخاص.
توصف سان مارينو باختصار بأنها متحف حي للتاريخ الجمهوري، ومكان صمدت فيه التقاليد القديمة والروح المستقلة بقوة وتصميم لأكثر من 1700 عام.
المصدر: RT
منبر العراق الحر منبر العراق الحر