التطرف العلماني وازدواجية المعايير: قضية الحجاب في أذربيجان نموذجاً لمحاربة المعتقد باسم الحرية…سالم الساعدي

منبر العراق الحر :

حين يستهدف الجسد والعقيدة
إن الإرهاب الذي يحصد أرواح الأبرياء، وينشر الخوف والدمار بين المجتمعات، وتشويه العقيدة الذي يستهدف إيمان الإنسان ويحاول إبعاده عن مبادئه وقيمه، يلتقيان في خطورة آثارهما، وإن اختلفت الوسائل والأساليب. فالأول يستهدف الإنسان في جسده وحياته، والثاني قد يستهدفه في فكره ومعتقده وهويته. ومن هنا، يمكن النظر إلى العنف الذي يقتل الأجساد، والممارسات التي تضيق على الإنسان في معتقده، باعتبارهما قضيتين تستحقان النقاش والمواجهة في إطار من العدل واحترام الكرامة الإنسانية.

أولًا: التطرف في العنف والتطرف في فرض الأفكار
إن التطرف لا يقتصر على استخدام السلاح وسفك الدماء، بل يمكن أن يظهر أيضا في فرض التصورات والأفكار على الآخرين، أو التضييق على حرياتهم الدينية والشخصية. فكما أن الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء جريمة لا يمكن تبريرها، فإن إكراه الإنسان على التخلي عن معتقده أو التضييق عليه بسبب ممارسته لمعتقداته الدينية وتعليماته السماوية يثير تساؤلات جدية حول حدود الحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الحرية لا ينبغي أن يكون انتقائيا، ولا أن يتغير بحسب الفكر الذي يعتنقه الإنسان أو القيم التي يؤمن بها، بل يجب أن يستند إلى مبدأ ثابت: حق الإنسان في الكرامة، وضرورة حمايته من العنف والتمييز والإكراه.

ثانيًا: الحجاب وحرية المعتقد في أذربيجان
لقد شهدت بعض الدول الغربية حظر الحجاب والرموز الدينية في مؤسسات تعليمية أو حكومية معينة، وصدرت في بعض البلدان قوانين تمنع ارتداء الحجاب، ولا سيما في المؤسسات العامة. وخصوصا المدارس والجامعات ، وقد أثارت هذه السياسات جدلا حول العلاقة بين العلمانية وحرية الدين، وحول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة الدولة.وامتد هذا المنع إلى ان وصل دول مسلمة، ومنها أذربيجان، ذات الأغلبية المسلمة، حيث منع ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: أين حق الإنسان في ممارسة معتقداته الدينية؟
إن هذا السؤال يستحق نقاشا جاداً : هل هذه هي الحرية الحقيقية التي يدعو إليها البعض؟ باعتقادي، الحرية لا تُقاس بالشعارات المرفوعة، بل بمدى احترام حقوق الإنسان في ممارسة معتقده دون إكراه أو تمييز.
وسوف نسال من التالي من الدول المسلمة التي ستطبق ما يريد اعداء الاسلام
ثالثا : لماذا يُنظر إلى بعض المظاهر باعتبارها حرية، وإلى أخرى باعتبارها مخالفة؟
من القضايا التي تستحق التأمل وجود اختلافات في المواقف الاجتماعية والقانونية تجاه المظاهر الدينية والأخلاقية. فقد يُنظر إلى بعض أنماط التعري والملابس الخليعة باعتبارها حرية شخصية، بينما يُنظر إلى الحجاب، بوصفه رمزا دينيا ممنوعا ، باعتباره مظهرا لا ينبغي إظهاره في المؤسسات. ومنها التعليمية
وهنا يحق لنا أن نتساءل عن مدى اتساق المعايير المستخدمة في تحديد ما يُسمح به وما يُمنع، وعن ضرورة تطبيق القوانين بصورة عادلة لا تميز بين الأفراد بسبب معتقداتهم.
فأين تتحقق المساواة إذا كان الإنسان يُمنح حرية التعبير عن بعض قناعاته، بينما يقيد الاخر بممارسة معتقده وتعاليم دينه ؟ وهل ينبغي أن تتوقف الحرية الشخصية عندما يتعلق الأمر بمعتقد ديني لا يتفق معه الآخرون؟
إن هذه التساؤلات الهدف منها التسائل عن الحرية التي ينبغي أن تكون مبدأً ثابتًا، لا معيارا يتغير بحسب طبيعة المعتقد أو مدى قبوله لدى المجتمع. ومن المنظور الإسلامي، يُعد الحجاب من الأحكام الدينية المعروفة، وله مكانة واضحة في فهم المسلمين لتعاليم دينهم. ولذلك، فإن احترام حرية المعتقد يقتضي التعامل مع هذه القناعة بجدية، وعدم الانتقاص من كرامة المرأة المحجبة بسبب التزامها الديني.

إن منظومة القيم والأحكام التي يؤمن بها المسلمون تحتم عليهم الدفاع عنها بالوسائل المشروعة، مع احترام كرامة الإنسان وحقوقه.

رابعا : حماية الا نسان جسدا وفكرا ومعتقداً
إن خطورة الإرهاب تكمن في استهداف حياة الإنسان وأمنه، بينما تكمن خطورة التضييق على حرية المعتقد في المساس بقدرته على ممارسة قناعاته الدينية دون خوف أو تمييز. وبين الأمرين تبرز ضرورة التمسك بمبدأ ثابت، وهو أن كرامة الإنسان وحقوقه لا ينبغي أن تكونا موضع انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
فالعقيدة السليمة، كما يفهمها المؤمنون، تقوم على الحق والعدل والرحمة، ولا تبرر قتل الأبرياء أو الاعتداء عليهم. وفي الوقت نفسه، فإن احترام التنوع الديني لا ينبغي أن يكون ذريعة للتقليل من شأن المعتقدات أو حرمان أصحابها من التعبير عنها ضمن الأطر القانونية التي تحمي الحقوق والحريات. ولذلك، فإن مواجهة الإرهاب تتطلب التصدي للعنف والتحريض، بينما تتطلب حماية حرية المعتقد مراجعة السياسات التي قد تؤدي إلى التمييز الديني، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
إن التطرف الفكري، بمختلف أشكاله، يصبح خطرا عندما يتحول إلى وسيلة لفرض الأفكار أو تقييد حقوق الآخرين أو الانتقاص من كرامتهم. ومن هنا، فإن حماية الإنسان لا تقتصر على حمايته من القتل والعنف، بل تشمل أيضا احترام عقيدته وحقه في التعبير عنها دون إكراه أو تمييز.
وفي نهاية المطاف، فإن الإرهاب الذي يقتل الأجساد، والتطرف الذي يسعى إلى فرض الأفكار أو التضييق على المعتقدات، يمثلان تحديين مختلفين، لكنهما يلتقيان في ضرورة حماية الإنسان من الاعتداء على كرامته وحقوقه.
إن الدفاع عن الحرية لا يكون باحترام معتقدات فئة والتقليل من شأن معتقدات أخرى، كما أن الدفاع عن الدين لا يكون بالإكراه أو الاعتداء، بل بالحكمة والعلم والحجة والالتزام بالقيم الأخلاقية. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا في ضمير الإنسانية هو: هل نريد حرية تُمنح لبعض الناس وتحجب عن غيرهم، أم حرية تقوم على العدل والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية؟
إن المجتمعات التي تسعى إلى السلام والاستقرار مطالبة بأن تحمي الأرواح من الإرهاب، والعقول من التضليل، والمعتقدات من التمييز والإكراه. فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على رفع شعارات الحرية فحسب، بل بمدى التزامها بهذه الشعارات عندما تختلف مع الآخرين في الدين والفكر والقناعة. إن منع الحجاب في أذربيجان لا يمثل مجرد تقييد لمظهر ديني، بل يشكّل اعتداءً على حرية المعتقد وحق الإنسان في ممارسة شعائره الدينية وفقا لقناعاتهم.
فكما تفرض التنظيمات الارهابية المتطرفة قيودها على الناس وتقتلهم وتسلبهم حرياتهم باسم أفكارها، فإن العملمانية تسلك نفس التطرف والتي تضييق على المتدينين وتمنعهم من تطبيق تعاليم دينهم وتنتهك حرياتهم وإن اختلفت الوسائل والدوافع ، إن احترام الأديان والمعتقدات ليس منّةً من أحد، بل حق أصيل من حقوق الإنسان، ولا يمكن بناء مجتمع عادل ومتسامح ما لم تُصن فيه حرية المعتقد، ويُحترم حق كل إنسان في ممارسة تعاليم دينه بعيدا عن الإكراه والتمييز.

اترك رد