منبر العراق الحر :…باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
مقدمة: أول الشقوق في المركب
لم تكن رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي ڤانس، المنشورة على منصة X في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مجرد تفسير انتخابي لهزيمة الجمهوريين، بل حملت دلالة سياسية تتجاوز نتائج صناديق الاقتراع. فقد حمّل الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة، وفتح بذلك بابًا للتباعد العلني مع الرئيس دونالد ترامب. وهنا تبرز فرضية «القفز من المركب»؛ ليس بمعنى مغادرة السلطة، وإنما محاولة فصل المستقبل السياسي لنائب الرئيس عن مسؤولية قرارات الإدارة التي ينتمي إليها.
1. الهزيمة الانتخابية… انكسار الرواية المشتركة
منحت الانتخابات النصفية الديمقراطيين السيطرة على مجلسَي الكونغرس، وأدخلت إدارة ترامب مرحلة جديدة من الصراع مع سلطة تشريعية معارضة. غير أن المفاجأة لم تكن في الهزيمة وحدها، بل في خروج نائب الرئيس ليضع إصبعه على القرار الأكثر حساسية في السياسة الخارجية للإدارة. فقد كتب ڤانس: «السبب في خسارتنا هو الحرب»، مستندًا إلى تقديرات انتخابية تشير إلى انتقال بعض ناخبي ترامب عام 2024 إلى الديمقراطيين عام 2026. وبذلك لم يعد الخلاف حول كيفية تفسير الهزيمة فحسب، بل حول من يتحمل كلفتها السياسية.
فالهزيمة الانتخابية قد تُسقط أغلبية برلمانية، لكنها قد تكشف أيضًا تصدعات داخل السلطة التنفيذية نفسها.
المصدر: رويترز، 4 نوفمبر 2026.
2. الأسباب الأربعة… مراجعة عقيدة أميركا أولًا
حدد ڤانس أربعة مطالب نسبها إلى الناخبين الغاضبين: إنهاء الحرب على إيران، ومعالجة التضخم وتكاليف المعيشة، وإعادة الاعتبار لشعار «أميركا أولًا»، وتغيير طبيعة العلاقة الأميركية مع إسرائيل. وهذه ليست مجرد مطالب انتخابية متفرقة؛ إذ يمكن قراءتها باعتبارها مراجعة للعلاقة بين الأولويات الداخلية والالتزامات الخارجية. فالحرب التي قُدمت باعتبارها ضرورة للأمن القومي أصبحت، في تفسير ڤانس، عبئًا على القدرة الشرائية وعلى ثقة القاعدة الجمهورية. لكن استطلاعات الناخبين أظهرت أهمية مستقلة للغلاء والفساد، مما يمنع اختزال الهزيمة بالحرب وحدها.
وهنا المفارقة: ڤانس لا يطعن في نتائج الحرب العسكرية بقدر ما يطعن في جدواها السياسية والانتخابية.
المصدر: واشنطن بوست وABC News، 4 نوفمبر 2026.
3. من التأييد إلى التبرؤ… معضلة المسؤولية
تكمن حساسية موقف ڤانس في أنه لم يكن معارضًا للحرب من خارج الإدارة، بل نائبًا للرئيس خلال مراحلها، ومدافعًا عنها في تصريحات سابقة. ولذلك فإن انتقاله من الدفاع عن القرار إلى تحميله مسؤولية الهزيمة يثير سؤالًا عن حدود المسؤولية المشتركة داخل السلطة. صحيح أن نائب الرئيس لا يمتلك صلاحيات الرئيس في اتخاذ قرار الحرب، لكنه لا يستطيع سياسيًا فصل نفسه تمامًا عن إدارة شارك في تمثيلها والدفاع عن خياراتها. وقد يكون موقفه مراجعة حقيقية لتقديراته، أو محاولة مبكرة لإعادة التموضع، أو مزيجًا من الأمرين.
فمن حق السياسي أن يراجع موقفه، لكن المراجعة لا تمحو تلقائيًا مسؤوليته عن الموقف السابق.
المصدر: رويترز وواشنطن بوست، 4 نوفمبر 2026.
4. ترامب وڤانس… اختلاف الحساب لا القرار
لم يرد ترامب على تصريحات نائبه بإعلان مواجهة سياسية؛ بل أقر بأن الحرب أسهمت في الهزيمة، مع تمسكه بصحة قرار خوضها، مؤكدًا أنه كان سيتخذه مجددًا. وهذا التباين يكشف اختلافًا في زاوية النظر: فترامب يدافع عن القرار بمعيار الأمن القومي ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، بينما يقيس ڤانس كلفته السياسية على الحزب والناخبين. ومن ثم، فإن الحديث عن قطيعة مكتملة سابق لأوانه؛ فالطرفان لا يزالان داخل الإدارة نفسها، ولم يتحول الاختلاف في تفسير النتائج إلى تمرد مؤسسي معلن.
إنهما لا يختلفان بالضرورة على وقوع الخسارة، بل على ما إذا كانت الخسارة ثمنًا مقبولًا لقرار الحرب.
المصدر: رويترز ABC News, 4 نوفمبر 2026
5. انتخابات 2028… القفز نحو المستقبل
تكتسب رسالة ڤانس معناها الأعمق عندما توضع في سياق السباق الرئاسي المحتمل لعام 2028. فالرجل الذي وصل إلى السلطة بوصفه شريكًا سياسيًا لترامب سيحتاج، إذا قرر الترشح، إلى بناء هوية مستقلة دون خسارة القاعدة الجمهورية التي أوصلته إلى منصبه. ومن هنا تبرز فرضية أن انتقاده الحرب يمثل محاولة مبكرة لاستعادة خطاب «أميركا أولًا» من داخل المعسكر الترامبي نفسه. وفي المقابل، يظل ماركو روبيو اسمًا مطروحًا في حسابات خلافة ترامب، لكن صمته لا يكفي للاستنتاج بأنه يستعد للاستقالة أو الانفصال عن الإدارة.
وقد لا تكون معركة 2028 بين ورثة ترامب وخصومه، بل بين ورثته أنفسهم على حق تفسير الترامبية بعد هزيمتها.
المصدر: رويترز، 4 نوفمبر 2026.
6. القفز من المركب… دون مغادرة السفينة
تطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز ڤانس: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب التي يفترض أن توحد الإدارة سببًا لاختلاف قادتها حول المستقبل؟ هنا تظهر حدود الاستعارة؛ فڤانس لم يغادر المركب، وترامب لم يفقد صلاحياته الرئاسية، والحرب لم تصل بعد إلى تسوية نهائية. لكن الرسالة العلنية قد تمثل بداية انتقال من التضامن السياسي الكامل إلى توزيع المسؤوليات استعدادًا لمرحلة جديدة. وإذا تجدد التصعيد ضد إيران، فسيتعين على ڤانس الاختيار بين دعم قرار جديد قد يعمق كلفته الانتخابية، أو توسيع المسافة السياسية مع الرئيس الذي لا يزال يخدم نائبًا له.
فالقفز الحقيقي لن يُقاس بما كتبه ڤانس بعد الهزيمة، بل بالموقف الذي سيتخذه إذا قرر ترامب خوض الجولة التالية من الحرب.
خاتمة: المركب الذي لم يغرق بعد
ليس كل اختلاف داخل السلطة انشقاقًا، ولا كل مراجعة سياسية محاولة هروب. لكن رسالة ڤانس كشفت احتمال بدء التنافس على مستقبل الحزب الجمهوري قبل انتهاء ولاية ترامب، وربما قبل انتهاء الحرب نفسها.
وإذا كانت الهزيمة الانتخابية قد دفعت نائب الرئيس إلى إعادة حساباته، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: هل يقفز ڤانس من المركب؟
بل: هل يستطيع أن يقفز من مسؤولية الرحلة، وهو أحد الذين صعدوا إلى المركب ودافعوا عن وجهته؟
6 تشرين الثاني / نوفمبر 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر