قصة قصيرة .. حجرٌ ونافذة … اسعد عبدالله عبدعلي

منبر العراق الحر :

كان يقف تحت نافذتها وقفةَ معتكفٍ صوفي في محراب الجمال؛ تشرئب روحه لاستقبال الفجر الذي سيولد من محيّاها، فجرٍ يمحو ظلمات لياليه الطويلة. كان يمني النفس بنظرة واحدة، كافية بأن تكون زاداً لقلبه المثقل، ليُبعث حياً في ملكوت السعادة الموعودة.

ظل يرقب زجاج النافذة، لكن الزجاج لزم صمتاً أبدياً كسكينة المقابر، وظل الخشب موصداً بقسوة غريبة لا تليق بحنينه المتدفق. أطلق زفراتٍ تشبه حفيف الأشجار الحزين، ثم لحناً ناعماً كمن يناجي قمراً في أفق ناءٍ، وتنحنح بخفّة تشبه تعثّر الكلمات في أول لقاء العشاق.. لكن كل ندائاته ذهبت سدى، لتدفن تحت ركام خيبة لا دواء لها.

مرّت الدقائق، بدت له دهوراً ضوئية في صحراء الانتظار؛ فالشوق في صدره تحول بحراً هائجاً يكاد يبتلع شواطئ صبره. وحين ضاقت به السبل، تفتق ذهنه عن فكرة خطرت له كإلهام مفاجئ: أن يقرع باب الخلاص برفق، برمي حجرٍ صغير على النافذة، لتكون النغمة صوته، وتطل عليه بهيئتها الساحرة.

انحنى يبحث عن الحجر بعناية كمن يبحث عن درّة ثمينة بين ركام الحصى، حتى وجد حجراً صغيراً وأملساً. أمسكه بقبضة حازمة، أودع فيه كل نداءات روحه وزفرات أيامه، ثم لوح بذراعه، وأطلقه في الفضاء، كمرسال حبٍ هادئ نحو قلبه المنشود.

لكن أقدار الهوى تسخر من دقة الحسابات؛ ففي اللحظة ذاتها التي أفلت فيها الحجر من كفه، انفتحت النافذة بغتة، وانبثق وجهها كالشمس من بين السحاب، فأصاب الحجر رأسها المحبوب في لقطة تراجيدية مذهلة!

تعالت صرختها، صرخة ممزوجة بالألم والمفاجأة، تلاها سيل من الشتائم والسباب، كاد يقتلع كل بريق للرومانسية في أجزاء من الثانية. وقفت تلعن الفاعل المجهول الذي استهدف رأسها البريء..

بينما كان هو قد ولى هارباً بخفّة غزال مفزوع، يجر أذيال خيبة أمل مريرة، وناثراً ما تبقى من كرامته على أرصفة الطريق، قبل أن تقع عيناها المشتعلة غضباً عليه.

 

اترك تعليقاً