منبر العراق الحر :
أولاً: حين يقود الاقتصادُ السياسة
إن قيادة هاجس النهوض والازدهار الاقتصادي لعقل الحكومة والفاعل السياسي تقتضي، على المستوى الداخلي، إطلاق عملية تنمية بشرية واقتصادية شاملة، تطال مختلف المستويات والمجالات، وتؤسس لشروط الاستقرار الاجتماعي والسياسي بوصفه ضرورة لازمة لقيام التنمية واستمرارها، وفي الوقت نفسه بوصفه إحدى أهم نتائجها.
ويقتضي ذلك العمل على تحسين شروط الاستقرار والأمان الاجتماعي، من خلال تأسيس ثقافة الانفتاح والاعتدال والشراكة والثقة، ولا سيما في المجتمعات المنقسمة على نفسها، باعتبارها بديلاً عن ثقافة العنف والإقصاء والاستئثار والكراهية والحقد والانتقام والتحريض والتكفير المذهبي والتخوين الوطني.
ولا يمكن ترسيخ هذه الثقافة من دون رعايتها بمنظومة قانونية وحقوقية عادلة في الدولة، تقوم على:
المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، انطلاقاً من هوية المواطنة الجامعة والموحّدة لهم.
حماية حيوية المجتمع من خلال تنظيم الحريات الشخصية والمدنية والسياسية وصونها.
إرساء مبدأ تكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والتخصص والتطور العلمي والتقني.
ترسيخ سلطة العقل في الإنسان، وسلطة المعرفة في المجتمع، باعتبارهما أساساً للتقدم والنهوض.
إن هذه الشروط مجتمعة تصب في تحريك الدورة الاجتماعية والاقتصادية وتنشيطها، بما يعزز الشعور بالهوية الوطنية ويؤسس لها موضوعياً، من خلال توسيع الشراكة الاجتماعية وتأمين المصالح الاقتصادية والحياتية لجميع الناس.
فحين تتعزز المصالح المشتركة، ينمو الوعي بالمصير المشترك والمنفعة المتبادلة، وتصبح الهوية الوطنية الموحدة مرتبطة بتأمين المصالح الحيوية للناس بصورة عملية وملموسة. وعندئذ تتحول هذه الهوية إلى ضرورة حياتية تدفع المواطنين إلى التمسك بها والدفاع عنها، بدلاً من أن تبقى مجرد شعارات ودعوات وحدوية رومانسية تفتقر إلى مضمونها الاقتصادي والاجتماعي.
فالدولة الوطنية الحديثة لم تظهر بوصفها شعاراً رومانسياً أو إرادة سياسية مجردة، بل نشأت في سياق تاريخي ارتبط بتطور أدوات الإنتاج، واتساع النشاط الاقتصادي، وازدهار المبادلات، وتنشيط الدورة الاقتصادية والاجتماعية، أي دورة الاشتراك في الحياة والمصالح. وقد أسهم ذلك في نشوء متحدات اجتماعية واسعة تجاوزت الروابط الأولية والضيقة، وصولاً إلى تشكّل الأمة بوصفها متحداً اجتماعياً وسياسياً أوسع.
ومن هنا جاء مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، أو دولة الأمة، بديلاً عن أشكال الدولة القائمة على الجماعات العرقية أو الدينية أو غيرها من الروابط الخاصة، والتي اتخذت تاريخياً أشكالاً إمبراطورية مختلفة.
الاقتصاد والسياسة على المستوى الخارجي
أما حين يقود الاقتصادُ السياسةَ على المستوى الخارجي، فإن ذلك يقتضي العمل على فتح الدورة الاقتصادية باتجاه المحيط الاجتماعي والجغرافي الأقرب أولاً، ثم الأبعد، بما يحقق المصالح المشتركة للدول والشعوب.
ويكون ذلك من خلال بناء أفضل العلاقات مع المحيط، على أساس التعاون والشراكة وتبادل المنافع والمصالح، وهو ما يتطلب فتح المعابر والطرق التجارية، وتطوير سلاسل التوريد والتصدير، والعمل على إقامة أسواق مشتركة، وتأسيس أشكال من السيادة التساندية والتكامل الاستراتيجي، وصولاً إلى بناء استراتيجية دفاعية مشتركة تحمي المصالح المتبادلة.
فالغاية هي أن تشعر الشعوب بقيمة الوحدة والشراكة من خلال انعكاسهما المباشر على حياتها اليومية ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن الشعارات الوحدوية الاستعراضية، وعن منطق المحاور السياسية المتصارعة التي تجعل من الجغرافيا مجالاً للصراع بدلاً من أن تكون فضاءً للتعاون والتكامل.
ثانياً: حين يقود الدينُ السياسة
أما حين تقود الاعتبارات الدينية والمذهبية السياسة، فإن النتائج تختلف جذرياً، سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الخارجي.
1. على المستوى الداخلي: حرب النظام على المجتمع وحرب المجتمع على نفسه
إن العقل الديني حين يتحول إلى عقل سياسي وأيديولوجي، لا يعود بالضرورة عقلاً موحّداً حتى داخل الدين الواحد أو المذهب الواحد؛ إذ ينقسم إلى تيارات واتجاهات متصارعة، تتنافس على احتكار تمثيل الحقيقة الدينية وامتلاك السلطة باسمها.
وهكذا يتحول الصراع من اختلاف في الاجتهادات والمعتقدات إلى صراع على الله والسلطة، بين تيار مذهبي أو ديني معين وسائر التيارات والمذاهب والأديان الأخرى.
وفي ظل هذا المنطق، تسود ثقافة الإقصاء والاستئثار والاحتكار داخل مؤسسات الدولة السياسية والإدارية، وتحل الولاءات المذهبية والأيديولوجية محل المواطنة والكفاءة، وتنتشر ثقافة التكفير والتخوين والكراهية والحقد، مع استحضار أحقاد الماضي وصراعاته وإعادة إنتاج حروبه.
وهنا تبدأ حرب النظام على المجتمع، من خلال إخضاع مؤسسات الدولة لمنطق الانتماء والولاء العقائدي، وتحويلها من مؤسسات عامة تخدم جميع المواطنين إلى أدوات في خدمة تيار أو جماعة بعينها.
لكن هذه الحرب لا تقف عند حدود علاقة السلطة بالمجتمع، بل تقود إلى حرب المجتمع على نفسه، حين تتحول الانقسامات الدينية والمذهبية إلى هويات سياسية متصارعة، وتنفجر في شكل حروب أهلية مدمرة، تهدد وحدة المجتمع ووجود الدولة ومصالح الناس وحياتهم.
2. على المستوى الخارجي: تحويل الجغرافيا إلى جبهات صراع
أما على المستوى الخارجي، فإن قيادة الدين والمذهب للسياسة تؤدي إلى تصنيف الدول والشعوب المحيطة، القريبة منها والبعيدة، وفق انتماءاتها الدينية والمذهبية، بدلاً من النظر إليها بوصفها دولاً وشعوباً تجمعها الجغرافيا والمصالح والمنافع المشتركة.
وعندئذ تتحول الحدود إلى جبهات قلقة ومفتوحة على القطيعة والتخوين والتآمر، وعلى الصراعات والتنظيمات المسلحة، وتتعمق الانقسامات بين محاور إقليمية تتخذ من الدين والمذهب غطاءً لصراعاتها ونفوذها.
وهكذا تصبح حياة الشعوب ومصالحها رهينة مشاريع الصراع الإقليمي، بدلاً من أن تكون محوراً للعلاقات والسياسات.
وفي هذا المسار، تُساق قطاعات واسعة من البشر وراء أوهام تاريخية وأيديولوجية لا تقود إلا إلى الموت والهلاك، فيما تطفو على سطح هذه الصراعات مافيات الاستثمار الديني والمذهبي، إلى جانب مافيات الفساد المالي، التي تتغذى على استمرار الانقسام والحروب وتستثمر في مآسي الشعوب.
ثالثاً: الدولة الوطنية ومسار التطور التاريخي
إن الدولة الدينية والمذهبية، التي اتخذت في مراحل تاريخية سابقة أشكالاً إمبراطورية، لم تعد تلبي مقتضيات التطور التاريخي ولا مصالح الشعوب، بعد التحولات الكبرى التي شهدتها مجالات الاقتصاد والإنتاج والسياسة، وبعد تطور مفهوم الأمة والوطن والمواطنة.
فالدولة التي تقوم على احتكار جماعة دينية أو مذهبية للسلطة، وتستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها الحصري للعقيدة، تتناقض مع مقتضيات الدولة الوطنية الحديثة القائمة على وحدة المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، والتعددية، والشراكة، وسيادة القانون.
ومن هذا المنظور، فإن إعادة إنتاج الدولة الدينية والمذهبية بوصفها مشروعاً سياسياً ليست سوى نكوص عن مسار التطور التاريخي والاجتماعي، ولا تنتج، في جوهرها، سوى إعادة إنتاج الصراعات والحروب في الداخل والخارج.
لقد تجاوز المسار التاريخي الدولة الدينية والمذهبية بوصفها مشروعاً سياسياً لاحتكار السلطة وإدارة المجتمع، لكنه لم يُلغِ الدين من حياة الإنسان، ولم ينتقص من حقه في الإيمان والممارسة الدينية.
فالدين يبقى علاقة روحية وأخلاقية بين الفرد وخالقه، تتجلى في قيم المحبة والرحمة والتسامح، وتسمو بالإنسان، من دون أن تتحول إلى أداة للهيمنة السياسية أو الإقصاء الاجتماعي أو الصراع على السلطة.
فالسياسة التي يقودها الاقتصاد تجعل من مصالح الإنسان وحياته وازدهاره أساساً لبناء الدولة والعلاقات بين الشعوب، أما السياسة التي يقودها الاحتكار الديني والمذهبي فتجعل من الإنسان وقوداً للصراع على السلطة باسم العقيدة.
والفارق بين المسارين هو الفارق بين دولة تُبنى لخدمة الحياة وتحسينها، ودولة تُسخّر الحياة والناس لخدمة الصراع على السلطة والهيمنة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر