منبر العراق الحر :
السؤال عن غياب الفلاسفة العرب منذ ابن رشد ليس سؤالا تاريخيا يتعلق بمصير الفلسفة في الحضارة العربية والإسلامية، بل هو سؤال سياسي واجتماعي ومعرفي يتعلق بطبيعة المجتمعات التي نعيش فيها. لماذا لم تتشكل لدينا تقاليد فلسفية حديثة ومستمرة تنتج مدارس فكرية وتعيد النظر في علاقة الإنسان بالدين والسلطة والمجتمع؟ ولماذا أصبحنا أكثر قدرة على استهلاك النظريات الفلسفية الغربية وشرحها من قدرتنا على إنتاج نظريات تنطلق من مشكلات واقعنا؟.قبل الإجابة، ينبغي تصحيح فكرة أن العرب لم ينتجوا أي فلاسفة بعد ابن رشد. فقد ظهرت أسماء ومشاريع فلسفية مهمة في العصور اللاحقة والعصر الحديث، من ابن خلدون إلى زكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون وطه عبد الرحمن وغيرهم. لكن وجود مفكرين أفراد لا يعني وجود تقليد فلسفي متواصل له مؤسساته ومدارسه وحواراته وتراكمه المعرفي. هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي أن نناقشها.كان ابن رشد أحد أبرز المدافعين عن مشروعية التفكير العقلي، ودخل في نقاش عميق مع العلاقة بين الفلسفة والشريعة. لكن تجربته التاريخية انتهت بمحنة سياسية وفكرية، وأصبحت أفكاره أكثر تأثيرا في بعض الأوساط الأوروبية خلال القرون اللاحقة مما أصبحت عليه في البيئة التي نشأ فيها. لا يعني ذلك أن العالم العربي والإسلامي توقف عن التفكير بعده، لكنه يطرح سؤالا عن قدرة المؤسسات والمجتمعات على حماية الاختلاف الفكري وتحويله إلى تقليد معرفي مستمر.المشكلة أن الفلسفة تحتاج إلى أكثر من شخص يمتلك المعرفة والقدرة على الكتابة. تحتاج إلى جامعة مستقلة، ومؤسسات بحثية، ومجتمع يسمح بالاختلاف، وسلطة لا تعتبر النقد تهديدا لوجودها. وعندما تغيب هذه الشروط، يصبح ظهور الفيلسوف حدثا فرديا لا يتحول بالضرورة إلى مدرسة أو تيار فكري.
هل المجتمعات العربية ترفض الفلسفة؟ لا يمكن تعميم حكم واحد على مجتمعات متعددة ومختلفة في تجاربها وثقافاتها، لكن من الصعب تجاهل وجود حساسية اجتماعية تجاه التفكير الفلسفي في قطاعات واسعة منها. فالسؤال الذي يتجاوز المألوف قد ينظر إليه باعتباره تشكيكا في الدين أو خروجا على الجماعة أو اعتراضا على سلطة الأب أو الشيخ أو المسؤول.تبدأ هذه المشكلة من الحياة اليومية. في الأسرة، قد لا يكون من المقبول أن يناقش الابن قرارات الأب. وفي المؤسسة، قد يصبح اعتراض الموظف على المدير دليلا على عدم الانضباط. وفي الحزب السياسي، قد يتحول نقد القيادة إلى اتهام بالخيانة أو العمل ضد التنظيم. وفي بعض البيئات الدينية، قد يصبح السؤال عن اجتهاد بشري اعتراضا على الدين نفسه.هذه الممارسات لا تنتج مواطنا مستقلا، بل تنتج فردا يتعلم أن سلامته الاجتماعية مرتبطة بقدرته على التكيف مع أفكار الجماعة. وعندما ينتقل هذا السلوك إلى المجال الفكري، يصبح التفكير المستقل مكلفا، ويصبح تكرار المواقف السائدة أكثر أمانا من اختبارها.الفلسفة لا تطلب من الإنسان أن يرفض كل شيء، لكنها تطلب منه أن يمتلك الحق في مراجعة كل شيء. وهذا تحديدا ما لا تتقبله بعض البنى الاجتماعية المغلقة.
الفلسفة بطبيعتها تطرح أسئلة عن السلطة والقانون والعدالة والحرية. وهي لا تتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة فوق النقد، ولا مع الحاكم باعتباره صاحب الحقيقة السياسية. ولذلك يصعب أن تزدهر الفلسفة في بيئة سياسية تعتبر الاختلاف تهديدا للاستقرار.في كثير من الدول العربية، لم تنجح الدولة الحديثة في بناء علاقة متوازنة مع المثقف المستقل. إما أن تستوعبه داخل مؤسساتها وتمنحه مساحة محدودة من التعبير، أو تتركه خارج المجال العام، أو تتعامل معه باعتباره خصما سياسيا عندما يتجاوز الخطوط المسموح بها.لكن المشكلة لا تتوقف عند الحاكم. فالمعارضة السياسية نفسها ليست دائما أكثر تسامحا مع التفكير المستقل. بعض الأحزاب والحركات الأيديولوجية تطلب من أعضائها الالتزام بخطابها، حتى عندما يتعارض ذلك مع الحقائق أو مع مقتضيات النقد. وهكذا نجد أن الاستبداد قد يتكرر داخل المؤسسة المعارضة، وليس فقط داخل الدولة.
كيف يمكن لحزب لا يسمح لأعضائه بمناقشة أفكاره أن ينتج فلسفة سياسية؟ وكيف يمكن لحركة تعتبر قائدها مرجعا نهائيا أن تقبل مفكرا يعيد النظر في تاريخها وممارساتها؟.من السهل تفسير أزمة الفلسفة العربية بأنها نتيجة الصراع بين الدين والعقل، لكن هذا التفسير لا يكفي، بل قد يكون مضللا. فالتاريخ الإسلامي عرف فلاسفة ومفكرين اشتغلوا على العلاقة بين العقل والوحي، ولم يروا ضرورة لتحويل الإيمان إلى خصم للفكر.المشكلة تظهر عندما يتحول التفسير البشري للنص الديني إلى سلطة لا تقبل المراجعة، وعندما يصبح بعض المتحدثين باسم الدين أصحاب حق حصري في تحديد ما يجوز التفكير فيه وما يجب استبعاده. لا يحق لأي مؤسسة دينية أن تحتكر التفكير نيابة عن المجتمع، كما لا يحق لأي تيار علماني أن يحتكر العقلانية ويحولها إلى أيديولوجيا مغلقة. فالفلسفة لا تنتمي إلى مؤسسة دينية أو سياسية، ولا تقاس قيمتها بمقدار توافقها مع معتقدات جماعة معينة.
ومن الضروري أيضا الاعتراف بأن بعض الخطابات المعادية للدين لا تقدم مشروعا فلسفيا حقيقيا، وإنما تستبدل سلطة مغلقة بسلطة أخرى. فالنقد الفلسفي ليس شتيمة للمعتقدات، بل بحث في أسس الأفكار والحجج التي تقوم عليها.لا يمكن الحديث عن أزمة الفلسفة دون مناقشة المدرسة والجامعة. فالتعليم الذي يجعل الحفظ معيارا للتفوق، ويعامل السؤال بوصفه خروجا عن المنهج، لن ينتج بيئة قادرة على التفكير النقدي.الطالب يتعلم كيف ينجح في الامتحان، لكنه لا يتعلم دائما كيف يبني حجة أو يكتشف تناقضا أو يناقش رأيا مخالفا. وقد يحصل على شهادة جامعية دون أن يمتلك أدوات البحث والتحليل المستقل.أما تدريس الفلسفة في بعض المؤسسات التعليمية، فيتحول إلى استعراض لأسماء الفلاسفة وتواريخ ميلادهم وموتهم ومذاهبهم. يعرف الطالب أرسطو وديكارت وكانط وماركس، لكنه لا يتدرب بالقدر الكافي على استخدام أدواتهم في فهم مشكلات مجتمعه.
نحن بحاجة إلى تعليم يجعل الطالب يناقش مفهوم الدولة والمواطنة والعدالة والحرية، ويختبر الأفكار التي يتلقاها بدلا من التعامل معها باعتبارها معلومات نهائية.هناك ظاهرة تستحق النقد في الثقافة العربية المعاصرة، وهي الاعتماد الكبير على استيراد المفاهيم والنظريات من المدارس الغربية. نقرأ فوكو ونيتشه وماركس وبورديو وهنتنغتون، ونستخدم مفاهيمهم في تحليل مجتمعاتنا، لكننا لا ننجح دائما في بناء أطر نظرية مستقلة تتعامل مع خصوصية تجاربنا التاريخية والاجتماعية.لا توجد مشكلة في قراءة الفلسفة الغربية أو الاستفادة منها. فالمعرفة الإنسانية لا تقوم على العزلة الثقافية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القراءة إلى استعراض ثقافي، ويصبح استخدام أسماء الفلاسفة بديلا عن بناء الأفكار.ليس كافيا أن نضع مفهوم السلطة عند فوكو على كل ظاهرة سياسية، أو نستخدم تفسير ماركس للصراع الطبقي في كل نقاش اقتصادي، دون اختبار مدى صلاحية هذه الأدوات لفهم واقعنا.أين فلسفتنا في الدولة والمواطنة؟ أين مشاريعنا النظرية في القبيلة والطائفية والعنف السياسي؟ أين محاولاتنا لفهم علاقة الفرد بالجماعة في المجتمعات التي ما زالت فيها الروابط العائلية والقبلية تؤثر في توزيع السلطة والثروة والفرص؟.خذ مسألة القبيلة مثالا. في عدد من المجتمعات العربية والإفريقية، لا تزال القبيلة تؤثر في السياسة والإدارة والانتخابات وتوزيع الموارد. لكننا كثيرا ما نكتفي بوصف الظاهرة أو مهاجمة نتائجها، دون بناء تحليل فلسفي واجتماعي يشرح كيف تتحول رابطة القرابة إلى مصدر للشرعية السياسية، وكيف يصبح الانتماء الجماعي أحيانا أقوى من مفهوم المواطنة.هذه ليست أسئلة هامشية، بل قضايا يمكن أن تنشأ منها مشاريع فلسفية وسياسية ذات قيمة عالمية، إذا عولجت بأدوات علمية ونقدية مستقلة.
النخب العربية ليست بريئة من هذه الأزمة من الخطأ تحميل السلطة السياسية والمؤسسات الدينية وحدها مسؤولية تراجع الفلسفة. فالنخب الثقافية تتحمل جزءا من المسؤولية أيضا.هناك مثقفون يكتبون عن الحرية لكنهم لا يقبلون النقد عندما يتعلق الأمر بأفكارهم. وهناك من يدافع عن الديمقراطية في مواجهة خصومه، لكنه يرفضها داخل حزبه أو مؤسسته. وهناك من يهاجم التعصب الديني، لكنه يمارس تعصبا أيديولوجيا لا يقل انغلاقا عنه.هذا التناقض يضعف الثقافة النقدية. فالفيلسوف لا يمكن أن يكون مستقلا إذا كان مستعدا للتنازل عن منهجه بمجرد أن تتعارض نتائجه مع مواقفه السياسية أو مصالح الجماعة التي ينتمي إليها.كذلك لا يمكن اعتبار كل من يكتب في السياسة أو الاجتماع أو الدين فيلسوفا. الفلسفة تتطلب بناء المفاهيم، وتحديد المشكلات، وتقديم الحجج، ومراجعة الافتراضات، والقدرة على تطوير تصور نظري متماسك. ليست الفلسفة مجرد لغة معقدة أو اقتباسات من كتب غربية.أعتقد أن الاحتفاء بابن رشد دون مناقشة الظروف التي جعلت مشروعه لا يتحول إلى تقليد فلسفي متواصل يكشف تناقضا في ثقافتنا. نضعه في واجهات المكتبات، ونتحدث عن عقلانيته في الندوات، لكننا لا نناقش دائما حق الإنسان المعاصر في ممارسة التفكير النقدي بالطريقة نفسها.
لسنا بحاجة إلى إنتاج نسخة جديدة من ابن رشد، ولا إلى العودة إلى أسئلة القرن الثاني عشر وكأن التاريخ لم يتغير. نحن بحاجة إلى فلاسفة يتعاملون مع قضايا عصرهم، ويعيدون بناء أسئلة العقل والسلطة والحرية والدين والاقتصاد والهوية في ضوء التحولات المعاصرة.كما أننا بحاجة إلى مؤسسات جامعية مستقلة، وترجمة جادة، ومراكز بحثية، ومجلات فلسفية، ومساحات عامة تسمح بالنقاش دون تخويف أو إقصاء. فالفيلسوف لا ينتج مشروعا فكريا في فراغ، وإنما يحتاج إلى بيئة تناقشه وتختبر أفكاره وتسمح لها بالتطور.السؤال الذي ينبغي أن نواجهه ليس لماذا لم يظهر ابن رشد جديد، بل لماذا لا تزال بعض مجتمعاتنا تنظر بريبة إلى الإنسان الذي يملك رأيا مستقلا ولا يستمد أفكاره من الجماعة أو الحزب أو المؤسسة الدينية أو السلطة السياسية؟.هل نستطيع قبول مفكر ينتقد الزعيم الذي نؤيده؟ وهل نستطيع مناقشة الموروث دون تحويل النقاش إلى معركة هوية؟ وهل نسمح للطالب بأن يعترض على أستاذه، وللمواطن بأن يناقش مسؤول الدولة، وللفرد بأن يختار أفكاره دون أن يخضع للوصاية الاجتماعية؟.لا يمكن مطالبة المجتمع بإنتاج الفلاسفة بينما يظل الاختلاف مكلفا، والنقد مشبوها، والطاعة فضيلة اجتماعية وسياسية في كثير من المؤسسات.
إن أزمة الفلسفة العربية ليست نقصا في العقول، وإنما أزمة في الشروط التي تسمح للعقل بأن يعمل بحرية واستقلال. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الحقيقة إلى تبرئة للمجتمع أو النخب؛ فالمجتمع الذي يعيد إنتاج ثقافة الطاعة يشارك في صناعة أزمته، والمثقف الذي يخاف من مراجعة أفكاره يساهم في استمرارها.نحن لا نحتاج إلى مزيد من الاحتفاء بالفلاسفة الذين ماتوا، بقدر حاجتنا إلى الاعتراف بحق الأحياء في التفكير والاختلاف والنقد.فالسؤال الحقيقي ليس أين اختفى الفلاسفة العرب منذ ابن رشد، بل هل تملك مجتمعاتنا الشجاعة الفكرية والمؤسساتية لاستقبال فلاسفة جدد؟.
#زكريا_نمر
منبر العراق الحر منبر العراق الحر