زرادشت : حين التقت الفلسفة بالتوحيد ، وبدأ الصراع بين النور والظلام….. د . أنور ساطع أصفري .

منبر العراق الحر :….قراءة نقدية في الجذور الفلسفية والأخلاقية للزرادشتية، ومفهوم الإله والخير والشر في الوعي الإنساني القديم .

لم يكن تاريخ الفكر الإنساني مجرد سلسلة من المعتقدات والأساطير التي حاول الإنسان من خلالها تفسير الظواهر الطبيعية ، بل كان أيضاً رحلة طويلة للبحث عن الحقيقة ، ومحاولة لفهم العلاقة بين الإنسان والكون والقوى التي تحكم الوجود .

فمنذ أن بدأ الإنسان يسأل عن أصل الحياة ، وسبب الموت ، ومصدر الخير والشر ، أخذت الأسئلة الفلسفية والدينية تتشكل في وعيه ، وتتحول تدريجياً إلى رؤى كبرى أثّرت في مسار الحضارات .

وفي قلب هذه الرحلة التاريخية يبرز اسم زرادشت ، أو ” زوروستر ” كما عرفه اليونانيون ، بوصفه أحد الشخصيات الفكرية والدينية الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ الشرق القديم . حيث ارتبط اسمه بتحول عميق في المعتقدات الإيرانية القديمة ، من تعدد الآلهة والقوى المقدسة إلى مركزية إلهية تتمثل في أهوره مزدا ، رب الحكمة ، وإلى تصور أخلاقي للوجود يقوم على الصراع بين الحقيقة والباطل ، والخير والشر .

لكن أهمية زرادشت لا تكمن فقط في دعوته الدينية ، بل في الأسئلة التي طرحها حول طبيعة الوجود ، ومسؤولية الإنسان ، والحرية الأخلاقية ، ومصير العالم .

لقد وضع الإنسان أمام معادلة تتجاوز الطقوس والشعائر ” هل يستطيع الإنسان أن يكون شريكاً في انتصار الخير ، أم أنه مجرد كائن خاضع لقوى لا يملك السيطرة عليها ” ؟ .

إن العودة إلى زرادشت ليست استعادة لتاريخ ديني منسي ، بل محاولة لفهم واحدة من المحطات المبكرة التي التقت فيها الرؤية الدينية بالتفكير الفلسفي والأخلاقي .

يصعب تحديد التاريخ الدقيق لحياة زرادشت ، كما لا يوجد اتفاق نهائي بين الباحثين حول المكان الذي عاش فيه . وتضعه تقديرات أكاديمية مختلفة في نطاق زمني واسع ، يمتد من الألفية الثانية قبل الميلاد إلى القرون الأولى من الألفية الأولى قبل الميلاد .

ومع ذلك ، فإن الأهمية التاريخية لا تتوقف على تحديد سنة ميلاده ، بل على طبيعة التحول الذي ارتبط برسالته .

كانت المعتقدات الإيرانية القديمة تضم مجموعة من الآلهة والقوى المقدسة ، وكانت الطقوس والتضحيات تحتل مكانة بارزة في الحياة الدينية ، وفي هذا السياق ظهرت رؤية زرادشت التي رفعت مكانة ” أهوره مزدا ” ، ووضعت الحكمة والحقيقة والنظام الأخلاقي في مركز العلاقة بين الإنسان والكون .

لم يعد الإيمان مجرد ممارسة طقسية أو محاولة لاسترضاء القوى الغيبية ، بل أصبح مرتبطاً بموقف أخلاقي وفكري من الحياة .

وهنا تظهر إحدى أهم الإضافات التي يمكن أن ننسبها إلى الفكر الزرادشتي ” نقل مركز الثقل من الطقس الديني وحده إلى الاختيار الأخلاقي ، ومن الخضوع للقوى الغيبية إلى مسؤولية الإنسان عن أفعاله ” .

إن الإنسان في هذه الرؤية ليس كائناً هامشياً في الكون ، بل يمتلك دوراً في تحديد الاتجاه الأخلاقي للحياة .

يمثل مفهوم أهوره مزدا أحد أهم المفاتيح لفهم الزرادشتية . فالاسم يشير إلى الرب الحكيم ، ويرتبط بالحكمة والمعرفة والخلق والنظام والعدل .

لقد وضع زرادشت أهوره مزدا في مرتبة عليا ، بوصفه مصدر الحقيقة والخير والحكمة ، ورفض أن تكون القوى التي تمثل الكذب والفساد مساوية له في القيمة الأخلاقية .

وهنا يواجهنا سؤال فلسفي مهم :

هل كان زرادشت من أوائل أصحاب الرؤية التوحيدية في تاريخ الإنسان ؟ .

يمكن القول إن رؤيته تحمل ملامح توحيدية واضحة ، خصوصاً في المكانة العليا التي منحها لأهوره مزدا ، لكن المسألة أكثر تعقيداً من إطلاق حكم نهائي .

ففي نصوص ” الغاثا ” ، وهي الأناشيد القديمة المنسوبة إلى زرادشت ، تظهر مفاهيم روحية وأخلاقية متعددة ، من بينها الأرواح المتقابلة ومبدأ الحقيقة ومبدأ الكذب .

ولذلك يرى بعض الباحثين أن الزرادشتية تمثل شكلاً خاصاً من التوحيد ، بينما يؤكد آخرون أن الثنائية الروحية والأخلاقية عنصر أساسي في بنيتها .

إن أهمية هذه المسألة لا تكمن في تصنيف الزرادشتية داخل خانة التوحيد أو الثنائية فحسب ، بل في فهم السؤال الذي حاولت الإجابة عنه ، إذا كان الإله مصدر الخير والحكمة ، فمن أين يأتي الشر ؟ .

هذا السؤال سيصبح لاحقاً واحداً من أكثر الأسئلة تعقيداً في الفلسفة الدينية.

ربما كانت أكثر الأفكار إثارة في فلسفة زرادشت هي رؤيته للصراع بين الخير والشر .

فالعالم وفق هذه الرؤية ، ليس فضاءً محايداً يخلو من الصراعات الأخلاقية ، بل ساحة تتقابل فيها الحقيقة والباطل ، والنظام والفساد ، والنور والظلام .

وتبرز في الفكر الزرادشتي فكرة الروحين المتقابلتين ، اللتين ترتبطان بالاختيار بين الخير والشر . وفي التطورات اللاحقة للعقيدة الزرادشتية ، تبلور هذا التصور بصورة أكثر وضوحاً في المواجهة بين ” أهورامزدا وأهريمان ” ، روح الشر والتدمير .

لكن من الضروري التمييز بين الصياغة المبكرة في الغاثا والتصورات اللاهوتية التي تطورت بعد ذلك بقرون .

ففي الرؤية المبكرة لا ينبغي التعامل مع الخير والشر باعتبارهما مجرد قوتين متساويتين تتصارعان على السيطرة ، بل باعتبارهما اتجاهين أخلاقيين يتحدد موقع الإنسان منهما عبر اختياراته .

وهنا يطرح زرادشت سؤالاً يتجاوز عصره ” هل الشر قدر مفروض على الإنسان ، أم أنه نتيجة خيارات وسلوكيات ومواقف يمكن مساءلته عنها ” ؟ .

إن الإجابة التي تحملها هذه الرؤية تمنح الإنسان مسؤولية أخلاقية كبيرة ، وتجعله طرفاً في معركة الخير والشر ، لا مجرد شاهد عليها .

من أكثر المبادئ شهرة في التراث الزرادشتي المبدأ الثلاثي :

الأفكار الصالحة ، والأقوال الصالحة ، والأعمال الصالحة .

قد يبدو هذا المبدأ بسيطاً في ظاهره ، لكنه يحمل رؤية متكاملة لطبيعة الإنسان .

فالفكر هو نقطة البداية ، والكلمة هي التعبير عن الموقف الداخلي ، والعمل هو الاختبار الحقيقي للقيمة الأخلاقية .

لا يكفي أن يعلن الإنسان إيمانه بالخير ، بينما تتناقض أفعاله مع ما يعلنه ، ولا تكفي الكلمات الجميلة إذا كانت تخفي وراءها نيات فاسدة وممارسات ظالمة .

إن هذه الفلسفة تضع وحدة الفكر والقول والعمل في مركز الأخلاق الإنسانية .

وإذا أسقطنا هذا المبدأ على واقعنا المعاصر ، فإننا نجد أنفسنا أمام سؤال بالغ الأهمية :

كم من الأفراد والمؤسسات والأنظمة ترفع شعارات العدالة والحرية والكرامة ، بينما تمارس في الواقع ما يناقض هذه القيم ؟ .

إن الفجوة بين ما نفكر به ، وما نقوله ، وما نفعله ، ليست مشكلة أخلاقية فردية فحسب ، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة ثقافية وسياسية واجتماعية .

ومن هنا تتجاوز أهمية المبدأ الزرادشتي حدود زمنه ، ليصبح معياراً نقدياً يمكن استخدامه في تقييم السلوك الإنساني والمؤسسات التي تدّعي تمثيل القيم .

من الجوانب المهمة في الرؤية الزرادشتية أن الإنسان يمتلك القدرة على الاختيار بين طريقين ” طريق الحقيقة والخير ، وطريق الكذب والشر ” .

وهذا الاختيار ليس تفصيلاً ثانوياً ، بل هو أساس المسؤولية الأخلاقية .

فالإنسان لا يُقاس بما ينتمي إليه من جماعة ، أو بما يعلنه من معتقدات فقط ، بل بما يختاره من مواقف وأفعال .

وهنا تظهر قيمة فكرية تستحق التأمل ( الحرية ليست مجرد امتلاك القدرة على فعل ما نشاء ، وإنما امتلاك القدرة على التمييز بين ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله ) .

إن هذه الفكرة تفتح الباب أمام مفهوم المسؤولية الفردية ، وتضعف منطق تبرير الشر بإلقاء المسؤولية دائماً على الآخرين أو على الظروف أو على القوى الخارجية .

لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً فلسفياً عميقاً :

إذا كان الإنسان حراً في الاختيار ، فما حدود مسؤوليته عندما يعيش في مجتمع يفرض عليه الفقر أو الاستبداد أو الجهل أو الخوف ؟ .

وهذا سؤال لم يفقد أهميته حتى يومنا هذا .

لا يمكن فهم الفكر الزرادشتي دون التوقف عند مفهوم «أشا» ، الذي يرتبط بالحقيقة والنظام والاستقامة والانتظام الكوني .

فالحقيقة ليست مجرد معلومة صحيحة في مواجهة معلومة خاطئة ، بل مبدأ ينظم العلاقة بين الإنسان والعالم .

إن احترام الحقيقة يعني احترام النظام الأخلاقي والكوني ، بينما يمثل الكذب والفساد خروجاً عن هذا النظام .

ومن هنا يمكن فهم الصلة بين الدين والأخلاق والطبيعة في الرؤية الزرادشتية .

فالعالم ليس مجرد مادة صامتة ، والإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن مصالحه الشخصية ، بل توجد علاقة بين السلوك الإنساني وسلامة النظام العام .

وهذا التصور يمنح الطبيعة قيمة أخلاقية ، ويجعل المحافظة عليها جزءاً من احترام النظام الذي يقوم عليه الوجود .

وفي زمن تتعرض فيه البيئة للتلوث والتدمير والاستنزاف ، يمكن قراءة هذه الفكرة باعتبارها تذكيراً مبكراً بأن الإنسان ليس مالكاً مطلقاً للطبيعة ، وإنما مسؤول عن علاقته بها .

من الصعب الحديث عن الزرادشتية دون التطرق إلى موقعها في تاريخ الأديان ، ولا سيما ما يتعلق بأفكار الحساب بعد الموت ، والثواب والعقاب ، والبعث ، والقيامة ، والمخلّص المنتظر ، وانتصار الخير في نهاية التاريخ .

لقد تطورت هذه المفاهيم في التراث الزرادشتي عبر مراحل تاريخية متعددة ، وظهرت بعض صيغها بوضوح في النصوص الدينية الإيرانية اللاحقة .

وتثير هذه الأفكار اهتمام الباحثين عند مقارنتها بما ظهر في التقاليد الدينية الأخرى ، خصوصاً في الشرق الأدنى القديم .

لكن ينبغي التعامل مع مسألة التأثير بحذر علمي ، فالتشابه بين فكرتين لا يثبت بالضرورة أن إحداهما اقتبست من الأخرى . كما أن تحديد مسارات انتقال الأفكار يحتاج إلى أدلة تاريخية ونصية ، وليس إلى مجرد المقارنة بين المعتقدات .

ومع ذلك، فإن التفاعل التاريخي بين المجتمعات الإيرانية واليهودية وغيرها من مجتمعات الشرق القديم يجعل دراسة هذه الصلات أمراً مهماً لفهم تطور الفكر الديني .

والأهم من ذلك أن الزرادشتية قدمت تصوراً متكاملاً نسبياً عن مصير الإنسان والعالم ، يقوم على فكرة أن الشر ليس الكلمة الأخيرة في التاريخ ، وأن انتصار الخير يمثل أفقاً نهائياً للوجود .

قد يتساءل البعض: ما الذي يمكن أن يقدمه فكر نشأ قبل آلاف السنين لإنسان يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي ، والتكنولوجيا ، والعولمة ، والتحولات السياسية والاقتصادية ؟ .

والإجابة أن قيمة الفلسفات القديمة لا تقاس بقدرتها على تقديم حلول تقنية لمشكلات العصر ، بل بقدرتها على إبقاء الأسئلة الكبرى حية في العقل الإنساني .

فزرادشت يضعنا أمام أسئلة لا تزال مفتوحة :

كيف يمكن للإنسان أن ينتصر للحقيقة في عالم تتزايد فيه وسائل التضليل ؟ .

كيف يمكن التوفيق بين الإيمان بالقيم وممارسة السلوك الأخلاقي ؟ .

كيف يتحول الخير من شعار إلى ممارسة يومية ؟ .

وهل يمكن بناء مجتمع عادل إذا انفصلت المعرفة عن المسؤولية ، والسلطة عن الأخلاق ؟ .

إن هذه الأسئلة تكشف أن الأزمة الإنسانية ليست دائماً أزمة نقص في المعرفة ، بل قد تكون أزمة في توظيف المعرفة وفي غياب الضمير الأخلاقي .

فقد يمتلك الإنسان وسائل هائلة للسيطرة على الطبيعة ، لكنه يظل عاجزاً عن السيطرة على نزعات الجشع والهيمنة والتعصب إذا لم يمتلك منظومة أخلاقية تحكم سلوكه .

وهنا تتجدد أهمية المبدأ الزرادشتي الذي يربط الأفكار بالأقوال والأعمال ، لأن المعرفة التي لا تنتج مسؤولية ، قد تتحول إلى أداة للسيطرة والتدمير بدلاً من أن تكون وسيلة للتحرر والتقدم .

إن زرادشت ليس مجرد اسم في سجل الأديان القديمة ، ولا مجرد شخصية تاريخية ارتبطت بتأسيس الزرادشتية ، بل يمثل محطة مهمة في تطور الوعي الإنساني ، حين بدأ السؤال عن الإله يتصل بصورة أكثر وضوحاً بالسؤال عن الخير والشر ، وحين أصبحت مسؤولية الإنسان عن اختياراته جزءاً أساسياً من فهمه لوجوده .

لقد حاولت رؤيته أن تمنح العالم معنى أخلاقياً ، وأن تجعل الحقيقة قيمة مركزية ، وأن تضع الإنسان أمام مسؤولية المشاركة في انتصار الخير .

لكن التاريخ الإنساني يكشف مفارقة مؤلمة \ كلما تطورت المعرفة والعلوم ، لم يتراجع الشر بالضرورة ، وكلما اتسعت قدرة الإنسان على السيطرة على العالم ، لم تتسع بالقدر نفسه قدرته على ضبط غرائزه ومصالحه ونزعاته التدميرية \.

فهل تكمن مشكلة الإنسان في جهله بالحقيقة ، أم في معرفته بها ورفضه الالتزام بمقتضياتها ؟ .

وهل يستطيع المجتمع أن يدّعي الإيمان بالخير بينما يبني مؤسساته على الظلم ، ويجعل الكذب وسيلة للسلطة ، والإنسان رقماً في حسابات المصالح ؟ .

إن أعظم ما يمكن استخلاصه من التجربة الزرادشتية ليس مجرد ثنائية النور والظلام ، بل ضرورة أن يتحول الإيمان بالقيم إلى مسؤولية عملية ، وأن يصبح العقل شريكاً في بناء الأخلاق ، لا تابعاً للخرافة أو المصالح .

فالنور لا ينتصر بمجرد الحديث عنه ، والحق لا يصبح حقيقة اجتماعية لمجرد ترديده ، والخير لا يكتسب قيمته من الشعارات التي ترفعه ، وإنما من الأفعال التي تجسده .

وربما كان السؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحاً أمام كلّ متابع ، هو :

إذا كان الإنسان قد عرف منذ آلاف السنين أن طريق الخير يبدأ من الفكر ، ويمر بالكلمة ، وينتهي بالفعل ، فلماذا ما زال عاجزاً عن جعل هذا الطريق أساساً لتنظيم حياته ومجتمعاته ؟ .

ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي تركه لنا التاريخ ، وهو أيضاً السؤال الذي يجعل العودة إلى زرادشت أكثر من مجرد استذكار لفيلسوف أو نبي من الماضي ، إنها عودة إلى الإنسان نفسه ، وإلى الصراع الذي لم ينتهِ بعد بين ما يؤمن به وما يمارسه .

‫في الأحد، 3 مايو 2026 في 6:02 م تمت كتابة ما يلي بواسطة ‪As Asfari‬‏ <‪asasfari@gmail.com‬‏>:‬
العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي ، مظاهرها وتأثيراتها على تشكيل الوعي المجتمعي .
د . أنور ساطع أصفري .
العبودية أيّاً كان توجّهها ، وفي أي مجال ، هي ثقافة ونظام يتمّ من خلاله إجبار الناس على العمل بعيداً عن الحرية ، وعن التفكير ، وعن المطالبة بالحقوق ، في الوقت الذي يستفيد فيه الآخرون مادّياً ويتسلقون ، هذه الثقافة معمول بها عبر التاريخ ، حيث إتخذت العبودية نماذج وأشكال مختلفة ، ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج هو بتر حرية الأفراد ، وحرمانهم من أي حقوق سياسية أو إجتماعية أو قانونية ، وهكذا انتقلت العبودية من الآباء إلى الأبناء مروراً بأجيالٍ متتابعة ، إلى أن توقّف العمل بها عام 1948 ، حيث حُظرت عملاً بإعلان الأمم المتحدة لحقوقِ الإنسان .
إن العبودية بالمنظور الأوسع هي مؤسّسة قمعية ، وهي نتاج علاقاتٍ إنسانية مُعقّدة ، وتتلخّص على إجبار الطبقة الأضعف على الرضوخ والمعاناة بسببِ رغبةِ الأقوياء في المجتمع ، للسعي وراء الشهرة والسلطة والنفوذ على الآخرين ، بدافع الجشع والرغبة في السيطرة .
إنّ مسألة العبودية هي دائمة ، وقائمة ، حيث أنّ العبودية في كلّ عصر تتّخذ ركيزة أساسية لها .
إنّ العبودية الفكرية هي التحكّم في المعلومات ، ومرتبطة بالعبودية الفلسفية ، من خلال السعي الأكاديمي .
قولاً واحداً ، نحن لسنا أحراراً ، لأنّ المكان هو عشوائي و مليء بالتجارب على أدمغتنا وأفكارنا ، والعبودية الفكرية المتخفّية تلتهم المواطن من الداخل .
إنّ العبودية الفكرية هي ورمٌ خبيث ينتشر في أدمغة البشر ، ويُلوّث نسيجها الثقافي والاجتماعي ، آخذين بعين الاعتبار بأنّ العبودية الفكرية هي أشدّ وجعاً وأفتك خطراً على الشعوب من العبودية الجسدية .
وكلّ ما يحتاجه المستبد هو فكرة شريرة يدغدغ بها مشاعر الناس ، ويخاطب بها عواطف البلهاء ، أو قضية مقنّعة يُعيد من خلالها تشكيل الواقع كما يشاء .
ومن يبحث في صفحات التاريخ بغض النظر إن كان قديماً أو حديثاً ، سوف يرى العلل المميتة لإرادة الشعوب ، وكيف استطاعت الشعارات البرّاقة امتلاك إرادة وعقول الناس ، والسيطرة عليها ، واستغلال سذاجتها واستعبادها ، من هنا نستطيع أن نحدد حجم وخطورة العبودية الفكرية .
من يُتابعون الواقع يُدركون تماماً ، أنّ الإعلام يلعب دوراً محوريّاً في صقل وتشكيل الرأي العام ، حيث تُعتبر الصحافة أبرز الأدوات الإعلامية وتلعب دوراً يؤثّر على السياسة والمجتمع ، من خلال تقديم المعلومات وتحليل وقراءة الأحداث .
إنّ الإعلام هو سلطة تملك قدرات تأثيرية جليّة على تحديد مسار الرأي العام والتأثير السياسي .
ولكن للأسف ما نلمسه من الواقع المُعاش هو ليس سلطة الإعلام ، بل إعلام السلطة ، الذي تُمارسه الأنظمة العربية على إمتداد الساحة العربية المترامية الأطراف ، بهدف تعزيز سلطتها ، وتوجيه الرأي العام وفق مصالحها وأجنداتها ، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف والشعارات الخاصّة بالسلطة الحاكمة وبمراكز القرار . وبالتالي السيطرة على الرأي العام وتوجيهه ، والتلاعب بالعقول وبفكر الأجيال .
حيث لم يعد الإعلام مُجرّد وسيط لنقل الأحداث ، بل تحوّل إلأى أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي ، وتوجيه مسيرة الرأي والإدراك العام .
فهو لا يتوقّف عند عكس الواقع ، بل يُعيد إنتاجه وفق منظومة مصالح وقوى متحكّمة .
ومن خلال هذا الواقع تتشكّل لدينا وتبرز إشكالية ” العبودية الفكرية ” بوصفها ظاهرة مُتحكّمة داخل المؤسّسة الإعلامية ، ليس باعتبارها انحرافاً عارضاً ، بل كحالةٍ مُزمنة من الارتهان المعرفي والوظيفي .
إن العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي تعني بصريح العبارة أن يتحوّل هذا الحقل من مساحةٍ للحرية والتعددية ، إلى فضاءٍ مُغلق يُعيد تدوير نفس الخطاب والشعارات ، ويُقصي كلّ ما يُهدد النسق المُسيطر والمُهيمن .
إنّها حالةٌ يفقد فيها الإعلامي استقلاليته ، وتفقد فيها الوؤسّسة الإعلامية رسالتها وأهدافها ، ويُختزل دور الجمهور ليتحوّل إلى مُتلقٍ سلبي ، يُعاد تشكيل وعيه وفق ماهو مخطط ، و وفق ما يُراد له أن يرى ويفهم .
لذلك نرى أن العلاقة بين الإعلام وبين الأنظمة السياسية ، هي علاقة تبعية وانصياع ، وهنا تتجلّى العبودية الفكرية بصورها الجليّة ، حيث تبدو السلطة هنا بصورة المهيمن الذي يتعمّد إلى إظهار السلطة بأنها تخدم المستضعفين من أبناء الشعب ، بينما هي تخدم فئة واحدة من الأعوان والتابعين والمتسلّقين .
العبودية الفكرية هنا ليست مجرّد تبعية تلقائية ، بل هي نمط من ” الاستبطان القسري ” الذي يجعل الأفراد أو المؤسسات يتبنّون خطاباً مُعيّناً دون وعيٍ كاملٍ بالإكراه ، إنها حالةٌ من التكيّف مع منظومة فكرية في مطلق الهيمنة ، بحيث يصبح الخروج عن عباءتها صعباً أو مستحيلاً .
ويتضح هذا الواقع داخل المجال الإعلامي ، حيث تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً معقّدة ، ففي المجال المعرفي ، يتم تضييق أفق التفكير ، ويتم حصر التحليل إلاّ ضمن قوالب جاهزة ، وهذا يؤدّي إلى شحّ الخطاب الإعلامي وتحويله إلى تكرارٍ روتيني بنمطٍ وحيد .
وفي المجال النفسي ، يتشكّل عند الإعلامي خوفٌ ضمني من تجاوز ” الخطوط الحمراء ” ممّا يُعزّز الرقابة الذاتية .
وفي المجال الإجتماعي ، يُعاد إنتاج نفس القيم والتصوّرات التي تخدم بنية الهيمنة ، بما يُعمّق الفجوة بين الوعي بحقيقته والوعي مسبق الصنع .
إن هذه العبودية الفكرية لا تُفرض دائماً بالقوة ، بل تتسلّل عبر الاعتياد والتطبيع والتلقين ، حتّى تصبح جزءاً أساسياً من طبيعة المهنة ذاتها .
هكذا هي العبودية الفكرية ، تتجلّى حينما يتم تقييد العقل ضمن حزمةٍ من الأفكار والمعتقدات ، التي تعرّقل حرية الإبداع والتفكير الحر والنقد ، وتحوّل الإنسان وتجعله جزءاً أساسيّاً من عملية استعباده لنفسه .
إنّ الإعلام ليس كياناً مستقلاً في الفراغ ، بل هو ضمن شبكةٍ مُعقّدة من العلاقات مع السلطة السياسية والاقتصادية ، وهذه العلاقات لا تكون حيادية في كثيرٍ من الأوقات ، بل تؤسّس لمنظومة من التبعية ، التي قد تكون متبادلة أحياناً .
حيث أن السلطة السياسية لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر ، ويكفي بالنسبة لها أن تتحكّم في تدفق المعلومات ، أو تمنح الامتيازات ، أو تفرض إطاراً عاماً للنقاش ، بهدف ضمان انضباط الخطاب الإعلامي .
كما أن السلطة الاقتصادية تُمارس نفوذها عبر التمويل والإعلانات ، ما يجعل الإعلام خاضعاً لمنطق الربح ، حتّى لو كان ذلك على حساب الحقيقة .
كلّ هذه الأمور ينتج عنها إعلاماً ” وظيفياً ” لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على التوازنات القائمة بشكلٍ هرمي .
بهذه الحال تتحوّل العبودية الفكرية إلى خيارٍ ضمني إمّا ” الامتثال والبقاء ” أو ” المواجهة والإقصاء ” .
بكلّ تأكيد تتجلّى العبودية الفكرية في المقام الإعلامي عبر ممارسات متعددة ، بعضها أصبح مألوفاً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بمثابة إشكال .
حيث يتم تقديم الوقائع ضمن سياق مُحدّد يخدم تفسيراً مُعيّناً .
وإعادةِ نفس الروايات حتّى تتحوّل إلى ” حقائق ” في وعي المتلقي أو الجمهور .
و تجاهل الأصوات الصاعدة المُخالفة بدلاً من مواجهتها .
والتماهي مع الخطاب الرسمي دون مُساءلةٍ حقيقية أو تفكيك نقدي .
وتجاهل القضايا المُعقّدة وتحويلها إلى مُحتوى سريع الاستهلاك ليس إلاّ .
وصناعة الإجماع الوهمي من خلال إيهام الجمهور أن رأياً مُعيّناً هو السائد أو الوحيد .
طبعاً هذه المظاهر لا تُعبّر فقط عن خللٍ مهني ، بل عن بُنيةٍ عميقة تُعيد إنتاج العبودية الفكرية بشكلٍ يومي ومنهجي .
من خلال هذا النسق تستند العبودية الفكرية إلى إستعباد العقل والقلب والرؤى والأفكار ، وتجعل من الإنسان فرداً خاضعاً ، ويتم توجيهه بسلاسة دون الحاجة لإستخدام أي عنف .
فحينما يخضع الإعلام لهذه البنية ، عندها تفقد الرسالة الإعلامية بريق جوهرها :
حيث تتحوّل الحقيقة إلى سرديات بعيداً عن أي معيار ، كما يصبح الخبر أداة توجيه وليس وسيلة معرفة ، ويُعاد تشكيل الواقع فقط وفق ما يُلبي مصالح وأجندات مُعيّنة ، وليس وفق ما هو قائم وملموس .
وعلى صعيد الرأي العام تكون النتائج أكثر خطورة :
حيث يتم تفريغ وعي الرأي العام من طابعه النقدي ، وتحويله بشكلٍ أو بآخر إلى وعيٍ استهلاكي . وبالتالي إنتاج جمهور منقاد ، لا يمتلك أدوات التحليل أو المساءلة ، وتطبيع ونشر الهيمنة ، بحيث يتم قبولها كأمرٍ طبيعي لا يُناقش .
وبهذا الشكل لا يعود الإعلام مُجرد ناقلٍ للأفكار ، بل يُصبح مصنعاً لإعادة تشكيل العقول في اتجاهٍ واحدٍ وفريدٍ غالباً .
ولمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من العبودية الفكرية وتعزيز استقلالية الإعلام ، يتطلّب مقاربة وعلى مستوياتٍ مختلفة :
حيث لا بُدّ من تحرير البنية التمويلية للإعلام من خلال دعم نماذج مستقلّة لا تخضع لهيمنة المُعلنين أو السلطة أو مراكز القرار .
وبالتالي إعادة بناء وصياغة التكوين الإعلامي ، بحيث يُركّز على التفكير النقدي ، وليس على المهارات التقنية فقط .
وتعزيز موضوع المُساءلة والشفافية داخل الحقل الإعلامي .
ودعم التعددية الإعلامية لضمان توفّر تنوّع الأصوات والأفكار والرؤى .
وتمكين الجمهور معرفياً كي يملك القدرة على التفكيك والنقد ، و ليس مُجرد مُتلقّي .
إنّ التحرر من العبودية الفكرية ليس قراراً يُتخذ ، بل هو مسار ثقافي متشعّب وطويل ، يبدأ من نقطة إعادة تعريف ما هيّة دور الإعلام .
إنّ التحرّر الفكري لا يتحقّق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من خلال الإنفصال عن المحيط أو العالم ، بل يتحقّق بالتحرر من احتكار المعنى ، لتحريره من الانغلاق .
إنّ أنسنة الرؤى ليست مُجرّد إصلاح تربوي وثقافي ، بل هي ممارسة جماعية للوعي النقدي ، ليمنح الأجيال القدرة على مساءلة المنهج الذي شكّل وعينا وفهمنا للعدالة وللحياة ، بدلاً من الاكتفاء بالإملاء والإلتزام بالإكراه .
نحن لا نستطيع إصلاح العبودية الفكرية في المؤسسات الإعلامية من خلال بعض التوصيات ، لأن هذه العبودية مُتجذّرة وتدار بعناية ، لأنّها تخدم مصالح لا تريد أن يطفو الإعلام الحرّ ، لأن الإعلام المستقل يُشكّل خطراً عليهم ، ويفضح ويُزعزع السرديات الجاهزة .
الحقيقة التي تصدمنا ، هي أن الكتلة الكبرى من الإعلام اليوم لا يسعى إلى تحرير الوعي ، بل إلى ترويضه ، ولا يعمل على توسيع أفق التفكير ، بل يعمل جاهداً على تضييقه ، وهذا المسار لا ينتج عنه مواطناً ناقداً ، بل مُستهلكاً و مُطيعاً .
إنّ التحرّر من العبودية الفكرية هو موقف وجودي ، إمّا إعلامٌ حرّ يُقلق السلطة ويوقظ الجميع ، أو إعلامٌ يُخدّر العقول والرؤى ويُعيد إنتاج القطيع ،
وليس هناك أي مجالٍ لمنطقةٍ رماديةٍ بينهما .

اترك تعليقاً