منبر العراق الحر :
لم يعد للغة مكان آمن تأوي إليه، سوى الهروب من مصيرها البائس.
تهرب من أقلام الشعراء والأدباء والروائيين والكتّاب،
ومن ألسنة الخطباء والوعّاظ والأساتذة.
تهرب من المعاجم، ومن لسان العرب، ومن مختار الصحاح.
ما إن ترى قلماً أو لساناً في هذه البلاد حتى تجفل، وتقفز مذعورة إلى معنى مجهول.
وها أنا أركض خلفها لاهثاً، ألتقط ما يسقط منها: مجازاً، أو علامة استفهام، أو حركة إعراب، أو علامة ترقيم؛
لأخطب إصبع إعجابكم بخاتم كلام.
لا أحد يعاني أكثر من اللغة في هذه البلاد؛
تقضي نهارها على ألسنة الكلام المباح،
وليلها على ألسنة الكلام غير المباح.
لا يرفّ لها جفن من الصباح حتى الصباح؛
من صلاة إلى صلاة، ومن خطبة إلى خطبة، ومن خطاب إلى خطاب، ومن قصيدة إلى قصيدة، ومن مقالة إلى
مقالة، ومن جريدة إلى جريدة، ومن كتاب إلى كتاب.
في بلاد تقتات على المديح والرثاء،
ويتجسّد فيها الله في كلمة،
ويُحفظ في ناموس،
وينزل علينا بآيات،
ويكمن في الكلام المنقول،
فيما يكمن الشيطان في تفاصيل الكلام.
في بلاد تقضي جلّ وقتها في تفسير النصوص والأحلام، وتبدّد ما تبقّى في حروب تنشب بسبب اختلاف التأويل،
وشرح المفردات، وتفكيك ما قيل، وما يُقال، وما سيُقال.
فخلف كل نصّ تقف قاطرة مثقلة بكتب التفسير المختلف عليها، تجرّ وراءها أوزار الشيع والنحل والمذاهب
والانقسامات الحزبية والدينية والعائلية والعشائرية.
في بلاد تحمل اللغة على كتفها كبندقية حرب، وتحملها اللغة على ظهرها كنعش.
في بلاد تتكلم حتى في نومها، ويلتف لسانها حول عنقها كأفعى، وتصوم عن الطعام ولا تصوم عن الثرثرة؛ فما
يدخل فمها لا يساوي بعوضة مما يخرج منه.
اللغة هاربة، كأنها زانية، يرجمها الزناة بقواعد إعرابهم، ويجلدونها بأقوالهم المأثورة.
وكلما حاولت أن تختبئ في معنى، لاحقوها بتفسير؛ وكلما احتمت بالصمت، استدرجوها إلى خطاب.
فيا أيتها اللغة، لا تركضي بعيداً… لا أحد يطاردك ليصغي إليك، ولا أحد يبحث عنك ليمنحك مأوى.
إنهم يريدونك فقط شاهدةً على ما يقولون، وصكّ براءة لما يفعلون.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر