ليس هـناك دولة مستقرة ، بل هـناك دولة تتطوّر… كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
في المجتمعات الحديثة لا يحدث ان تتغير المعايير والمناهج بشكل مباشر بل من خلال مراحل متدرجة لكي لا تتعرض الشخصية الانسانية الى حالة من الاهتزاز والفوضى. لان الحروب والازمات لا تضرب المؤسسات فقط وانما تضرب صميم الوعي الانساني مما تجعله يغير طريقة تفكيره. تعرض مجتمعنا الى الكثير من الحروب والعواصف السياسية المدمرة لكن هل تغير شي على مستوى الذهنية والتفكير؟ لم يحدث اي تغيير جوهري على مستوى القناعات والافكار والرؤية ووجهات النظر ‘ الاسماء بقيت كما هي والرموز والافكار اصبحت اسوأ ليس هذا فقط وانما تم استبعاد ونفي وتهميش العقول المفكرة واصبحت بعيدة عن اصحاب القرار والمسؤولية. الذي حصل في العراق ومن اجل ان لا تتغير الدولة حافظنا على مجتمع بمقاييس تلك الدولة بمعنى اننا كرسنا الجهل والامية من اجل خلق مجتمع مستقر بنسبة العاطلين عن العمل والعاطلين عن الوعي. ومن يريد تغييرا عليه ان يحدث تغييرا واهتزازا في ثقافة المجتمع ويرفع وعيه . لذلك فأن عملية التغيير صعبة جدا لان من هم في رأس الهرم يريدون دولة مستقرة ومجتمع مستقر بحكم العقلية السائدة وتقاليد النظام السياسي والهيمنة الطبقية والعشائرية والاحزاب ورجال الدين والامراء والشيوخ. هذه العوامل لجمت اي فكرة للتغيير واصبح الحديث عن التغيير كما لو انه حديث ضد القانون والدولة. في الكثير من دول العالم التي تعرضت الى حروب مثل فرنسا والمانيا وبريطانيا استجابت تلك المجتمعات لتحدياتها الحرب واهتزت الافكار والمفاهيم وتم اعادة النظر بالقناعات والعقائد والقيم ولكن ليس بطريقة عدائية بل بشكل هادىء من غير عواصف وازمات سياسية. كتب الروائي الروسي ايليا اهرينبورج والذي نجى بأعجوبة من مقصلة ستالين بعد نقده تلك المرحلة العاصفة برؤية ثقافية ومراجعة رصينة وفي اول اجتماع للحزب الشيوعي بعد وفاة ستالين اقر الحزب ما جاء في كتابات ايليا اهرينبورج من خلال مراجعته لتلك الحقبة ( محاكمة تلك الحقبة ولكن بطريقة نقدية تفكك جوهر العقل الاستحواذي على السلطة وحياة الناس ) بطريقة روائية كان يطمح ان تتوقف تلك الفترة العاصفة بأحداث قطيعة معها وهو ما حصل فعلا بشكل لاحق عندما بدأ المجتمع يتحرر من صمته وخوفه.لكن هل تحصل المراجعة في دولة مستقرة ومجتمع مستقر والحال ان الانسان يعيش حالة من التسطيح واللامبالاة الانسان المحصن بالجهل المتغطرس لا يمكن ان يستجيب للمتغيرات وبالمناسبة ثمة خلط بين الوعي وبين الشهادة الدراسية حيث يوجد الكثير ممن يتسترون خلف شهادات عليا وبعضهم يطالب اللصوص بالاصلاح . هذه الامية الثقافية منتشرة في صفوف اساتذة الجامعات والاطباء والمحامين وقادة بعض الاحزاب . تهرع وسائل الاعلام عادة ( ونخب الثقافة ) الى الاحداث مثل المظاهرات وانخفاض صرف العملة المحلية وانقطاع الكهرباء وضعف الخدمات والصحة لكن لا تجد من يسلط الضوء على الاسس التي ولدت كل هذه الازمات وعلى المناخ والبيئة الاجتماعية الحاضنة المنتجة لكل هذا الخراب. اذن تكريس التقاليد البالية هو هدف جوهري في صناعة الانسان ( المطفي ) الذي يجهل مصيره ومصير ما ينتظره. التغيير الحقيقي يحدث عندما يولد وعي جديد قادر على تلمس وقراءة الظواهر بعقل منفتح وهذا العقل قادر على ان يصطدم مع منهج الدولة في تسيير الحياة وبالتالي تتغير الدولة فيتغير الانسان على اثر ذلك.

اترك رد