حينما تفرُّ بنا الأحلام …..كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :
ليس المهم أن ترى هذا العالم فها هو ألان بين يديك ولكن الأهم من ذلك أن يراك العالم نفسه ، أن تحسب خطواتك الطرقات ، أن تخالط أنفاسك الأجواء ، أن تلامسك المحطات ، ليس المهم أن ترى المرأة التي تعجبك ولكن الأهم أن تراك تلك المرأة ، أن تشعر بك كي تتبادلا الشعور ، فاللقاء العابر يصور وجوها ليس لها وجوه ، ليس المهم أن تقرأ ما يكتبون ولكن الأهم أن تكتب كي يقرأون وليس المهم إن تأكل ما يشتهون ولكن الأهم أن تشتهي ما يأكلون .
العالم الذي تراه خلف تلك الشاشة لا يترك أثرا على شريط الذكريات ولن يحيى يوما ما كما تحيى تلك الذكريات التي تحاصره الآن .
شعر فعلا بجيش عرمرم يحاصره من جميع الجهات ، ذكريات من ماض استرجعت عمره المفتون بأيام خلت من الأصحاب ، من الأحباب ، من العابرين ولا سبيل لهم ، كانت الدنيا تنشد له ، الأحلام تفرُّ من يديه وإن لم يحالفه الحظ بالفوز بها ، فاللقاء أحيانا نهاية مطاف والنهايات خلاصة مسار ، الشعور باللذة لا تصنعها النهايات ، النهايات بداية انحسار وخاتمة ليس أمامها من مدار ، المتعة الحقيقية وأنت في الطريق إلى الوصول لا في الوصول نفسه ، الجائعون يتلذذون بالطعام وعندما يشبعون يشعرون بالضيق والحرج ، ينطفئ بك الشعور ويغلبك الإحساس بأنَّ ما أنت فيه ليس مثلما كنت تبغيه ، فالحب لا ينتهي بامرأة تحيّدُ مداه إنما لابد لها إن تنطلق فيه إلى حيث لا ينتهي كي تكون كل النساء بتلك المرأة ، فعندما تعشق المحدود ستُميت حُبّك القيود ، فاللا محدود وحده تجد فيه حبَّ الوجود .
تذكر تلك المرأة التي أسرت قلبه وهو مفتون بسواها ، سكنت إليها نفسه وإن لم تعرف السكون ولا زالت معه الآن وإن كانت ليست معه ، حاول أن يجد تفسيرا لما هو فيه آنذاك لكنه لم يفلح ، فهو يعلم بان النساء كالأنغام إذا ما تنوعت ستعطي لحنا جميلا وحتمية هذا الوجود أن تستقر لا أن تفر ، فالرياح العاتية تبعثر الأشياء وليس هناك سوى السكون وسيلة للم الشتات ، ففي النفس حاجات لن تجدها بواحدة فقد يكون بعضٌ منها في أخرى وفي هذا يكمن الصراع ، صراع الذات التي اكتسبت ذاتها من البيئة والموروث ما لا تقبله أو تريده الحياة ، صراع مرير ، مثير لا يثير بالقليل منه والكثير ، فالأفكار لا يتركها العقل كما تروم ، فكل شيء بالعقل محكوم وان كان حكمه جائرا ، ولابدَّ أن لا يفر أحد من اللازم والملزوم ، فللقانون مهمة إظهار ما خفي لا ما ظهر ، فعندما تتوالى الأشياء ترى ما في الخفاء وعند ذلك يقلُّ بك العناء .
المسنون وحدهم يهيمون بالذكريات ، فالقادم ليس سوى رحيل ما له آت ، أما الشباب فما يفوتهم لا يؤرق عيونهم ولا يثير قلوبهم ، فهم يعللون النفس بقادم قد يكون أفضل مما هم عليه الآن .
لبس معطفه الشتوي وأخذ يحثُّ الخطى فمازال في الأفق طيفا يمنّيه بالأحلام ، الأحلام كلها غادرت وانطفأت شعلة النفس المتهالكة وهي تبحث في الوجود عن اللاوجود ، أشعل فتيل سيكارة لم تشعره بطعم السيكارة الأولى ، كل شيء تجدد من حوله فلا الرصيف باق كما كان الرصيف ولا حتى الإسفلت الأسود كان كما قد رآه يوما ما ، العصافير تغيرت ألحانها والنخلة التي كانت تأتي أُكلها هرمت ، والشجرة المترامية الغصون تقاعدت قبل الكهولة ، اقتطعت جذورها فؤوس عصرية ، بأيدي وحوش بربرية ، اقترب من نهر الفرات ، ماؤه الشحيح ما عاد يسقي بستانه الفسيح ، ضجَّت بقلبه المواويل وهو يسمع صدى أغنية قديمة ، جلس على أريكة عبث بها الزمن فقدت إحدى أرجلها ، ناءت بثقل مقعده الخاوي لكنَّه أعاد إليها توازنها فاستقرت على همهمة ترددت بها شفتاه ، ومن غير أن لا يشعر جلست بقربه امرأة ما أن التفت إليها حتى وجد كل خرائط الزمن مرسومة على محياها ، قالت له : عد إلى البيت يا حبيبي فمازلت بانتظارك وأبقى بانتظارك حتى تسكن الثرى .
كريم خلف جبر

اترك رد