أنتَ.. أنا ذكرى عذبةٌ…. اخلاص فرنسيس

منبر العراق الحر :

وأنهى الكلامَ بنظرةٍ
بكلمةٍ خرساءَ، بلغةٍ صامتةٍ
بينما طارَتْ علاماتُ الفرحِ دونَ أن تأسفَ على ما كانَ
ومن يأسفُ قال لي عابر السبيلِ
في تلك الثواني أراني أقفُ وحيدًا على تعرّجاتِ القريةِ
أرسمُ حلمَ من ارتحلوا إلى حقلِ البيادرِ الشرقيّ
في فجرِ ليلةٍ من ليالي شهرِ تموز الحزينِ
يجمعونَ سنابلَ الحنطةِ الذهبيّة في عرسٍ طويلٍ
يردّدونَ أهازيجَ الفرحِ البريءِ
والقمرُ بنورِهِ الأزرقِ الخافتِ يتوارى خجلًا في خدرِه بعدَ ليلةٍ توسّدَ كبدَ السّماءِ. أقفُ والأفكارُ تتطاحنُ في مخيّلتي
أذكرُ ما مضى، وأسمع كلماتِ الطوبى الآتيةِ من عمقِ مقابرِ الضيعةِ
صدى صوتِ من سكنوها يتناهى إلى مسامعي
طوبى لكم، يا من تسكنونَ القبورَ
طوبى لهمْ، لقد رحلوا قبل أن يروا أشباهَ البشرِ يشغلونَ المنازلَ النائمةَ على طرفي الطريق
وقبلَ أن يروا الفساد والسوس يعثّ في قلوبِ من بقوا
طوبى لهم، ارتحلوا عنّا قبلَ أن يروا الإنسان الذي أفسدَ شوارعَ بلدتي البريئةِ.
طوبى لهم، رحلوا قبلَ عصرِ الشظايا، وقبلَ عصرِ انتهاكِ البراءةِ.
لا رغبةَ لي هذا الفجرَ في البكاءِ
رغمَ أنَّ الحنينَ ما زال يأخذني، ويرميني في بلاد أنجبتني في تابوتٍ في منفى جسدٍ يدعونه الوطن.
قالتْ: سأتركُ هذا الزمنَ للريحِ، علّه يلئمُ هذا الجرحَ
فرائحةُ الزعترِ تملأُ أنفاسي..
شرّدني الطريقُ، والجبالُ تناديني..
تفاصيلُ السواقي في الوديانِ والوهادِ..
نغمةُ البلبلِ على شجرِ الزيتونِ..
غربةُ الصنوبرِ والأقحوانِ الأصفرِ..
جرسُ الكنيسةِ..
ينفرُ نبضُ القلبِ في شتاتِ الذّكرى..
هناك ولدتُ أنا..
لا رغبةَ لي الآنَ في الذّكرى..
تقتحمُ صدري نوبةٌ من الكلماتِ..
وغصّةٌ في الحلقِ عالقةٌ
تنهدٌ وأنينٌ.. ودمعة هو الحنينُ
هيَ تلكَ النظرةُ العابرةُ..
هيَ تلكَ الأحلامُ الغابرةُ في زقاقِ ضيعتنا..
وشبحٌ أراهُ يطاردُني في فجرِ كلِّ يومٍ
لا رغبةَ لي في النّسيانِ الآنَ
أنتَ.. أنا ذكرى عذبةٌ
اخلاص فرنسيس

اترك رد