منبر العراق الحر :
تُشكّل النرجسية ظاهرة اجتماعية عالمية لها تداعياتها المباشرة على أنماط العيش وأنواع الاقتصاد وأحوال الثقافة. وهي جزء لا يتجزّأ من السلوك البشري الفطري، تجتاح الأفراد والمجتمعات، فلا تخلو منها نفس، ولا يسلم من تأثيراتها مجتمع. على أن قوة حضورها تختلف من شخص إلى آخر، باختلاف الشخصية والنشأة والتربية والجنس والمستوى الاجتماعي. وهي تتفاوت بين مجتمع وآخر، تبعاً لتفاوت البيئات والظروف والقوميات. وهي تتراوح بين حد أدنى مقبول باعتبارها جزءاً من الطبيعة البشرية، وحد أقصى تتحوّل فيه إلى حالة مَرَضية مستعصية تترتّب عليها نتائج مدمّرة.
وبين الحدّين ثمّة درجات كثيرة. لكلّ منها أعراضها وأدوات تمظهرها ونتائجها.
مقالات مرسلة
النرجسية وأعراضها وأنواعها وأدواتها وتأثيراتها في الأفراد والمجتمعات هي الموضوع الذي يتناوله الكاتب الأردني موسى يعقوب قاسم في كتابه الضخم “مواقد نرجسية” (الدار العربية للعلوم ناشرون)، وهو يشتمل على مقدّمة ومئة مادّة نصّية، تغطّي الموضوع من مختلف جوانبه.
وهذه المواد عبارة عن مقالات مرسلة متوسّطة الطول، يتمحور كلٌّ منها حول نوع محدّد من أنواع النرجسية. ولعل هذا العدد الكبير من المقالات هو ما يفسّر تكرار الأفكار والمشكلات والحلول بين مقالة وأخرى. ناهيك بأن الكتاب ليس بحثاً علمياً أو دراسة أكاديمية وأن المواد تتجاور فيه على غير معيار واضح. ومع هذا، نقع فيه على كمٍّ كبير من المعلومات المتعلقة بالظاهرة، ومساحة واسعة من الأفكار، ورزمة كبيرة من المشكلات والحلول. وهو ما يضفي عليه التنوّع، ويتيح للقارئ حرية التنقل بين صفحاته كما يحلو له.

المصطلح والمفهوم
في الاصطلاح، يتحدّر مصطلح “النرجسية” من أسطورة يونانية قديمة، تتمحور حول الشاب الجميل نرجس الذي رأى صورة وجهه على صفحة الماء، خلال قيامه بجمع الورود لمولاه، فأعجب بها أشدّ الإعجاب، ومكث ينظر إليها طويلاً حتى نسي أمر العودة من حيث أتى. وحين أرسل المولى خدمه للبحث عنه، وجدوه وقد تحوّل إلى تمثال عاكف على صورته الجميلة. ومن هنا، أُطلق المصطلح على كلّ معجب بنفسه أو شكله أو فعله.
أمّا في المفهوم “فالنرجسية هي تلاهي أو انشغال شخص بنفسه، في الوقت الذي يتجاهل أمور الآخرين وحاجاتهم، بل يتنكّر لهم أغلب الأحيان”، على حدّ تعريف الكاتب (ص 24)، وهكذا، يجمع التعريف بين موقفين اثنين متضادّين، إيجابي حتى أقصى الحدود تجاه الذات، وسلبي حتى أقصى الحدود تجاه الآخر. على أنه، لا بدّ من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن يتوسّع قاسم في تفسير المصطلح / المفهوم، إلى حدّ كبير، فتتعدّد تعريفاته، وتتنوّع تطبيقاته، في ثنايا الكتاب؛ وتتراوح بين حالة طبيعية هي “جزء لا يتجزّأ من السلوك البشري شبه الفطري” (ص 77)، من جهة، وبين حالة مَرَضية مستعصية هي “وباء صامت، جذاب حلو المذاق…” (ص 68)، أو “وباء صامت كامن يدفع الشعوب لشن الحروب الداخلية والخارجية” (ص 101)، أو “حالة عقلية سلوكية نفسية جسدية طاغية” (ص 47)، من جهة ثانية.
وقد يخلط المؤلف بين تعريف المفهوم وأعراضه حين يرى أن النرجسية “مزيج من قصر النظر، والغرور، والأنانية، والكبرياء، والتواكل على دعم الغير” (ص 69).
يعتقد النرجسي أنه دائماً على حق والآخرون على باطل. يُحيط نفسه بمن يغذّي نرجسيته. يتصدّر المكان. يشغل الزمان. يعشق ذاته إلى حد العبادة، إلى ما هنالك من أعراض متقدّمة، ما يجعل من النرجسية، في بعض درجاتها، مَرَضاً نفسياًّ، ومن النرجسي مريضاً يحتاج إلى المعالجة.

هذه الظاهرة، بِحَدّيها الطبيعي والمَرَضي، هي نتاج مجموعة عوامل، ذاتية وموضوعية، تسهم في تشكّلها ونموّها؛ يذكر المؤلف منها الفطرة والأسرة والمدرسة والعائلة والمجتمع والشعب والدولة، على سبيل المثال لا الحصر. وبالعودة إلى عناوين المواد المئة والتوغل في متونها، يتبيّن لنا أننا إزاء أنواع كثيرة من النرجسية. نذكر منها، على سبيل المثال: نرجسية الشكل (الوجه، الشوارب، اللحى)، نرجسية النشأة (الريف، البادية، المدينة)، نرجسية السلطة (رئيس، زعيم، ثائر)، نرجسية التملّك (سيارة، مال، عقار)، نرجسية الشهرة (فنان، مطرب، سياسي)، نرجسية الشهادة (ماجستير، دكتوراه)، نرجسية المنصب (دبلوماسي، موظف كبير)، نرجسية المهن الحرة (طبيب، مهندس، محامٍ)، نرجسية الزي (الجينز)، نرجسية المستوى العقلي (الأذكياء، الناجحون، المتفوّقون)، نرجسية الإطار الاجتماعي (العائلة، القبيلة)، نرجسية الإطار السياسي (الحزب، النقابة)، وسواها من النرجسيات المستشرية بين الأفراد والجماعات.
وعلى اختلاف هذه الأنواع، ثمّة أعراض مشتركة تظهر على المصابين بها، من قبيل: الثقة الجوفاء بالنفس، الغرور، الأنانية، التباهي، الفوقية، تعظيم الذات، تبخيس الآخر، الاضطراب النفسي، التشبيح، التعنيف، “الفرعنة”، الكبرياء، التواكل، إلى ما هنالك من أعراض مَرَضية مختلفة. ومن الجدير بالذكر أن حضور هذه الأعراض في الأفراد والجماعات يتفاوت كماً ونوعاً من فرد إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى. وهو حضور يتراوح بين السلوك الفطري المقبول والحالة المَرَضية المستعصية التي تتطلّب المعالجة. والمفارق أن الذين تظهر عليهم هذه الأعراض، جلّها أو بعضها، يستخدمون الأدوات التي تؤكد نرجسياتهم، من قبيل: المرايا، الصور، السيارات، الأزياء، الأحذية، الحلويات، وسواها من أدوات الزينة والترفيه.

مشكلات وحلول
النرجسية بأنواعها وأعراضها تترتّب عليها نتائج خطيرة، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ فعلى المستوى الفردي، “تفرغ العقول والأعمال من محتواها الحميد والفعال والحقيق ذي النفع”، على حد تعبير الكاتب. وعلى المستوى الجماعي، تؤدي إلى تحكّم الشركات الكبرى بالقرار السياسي، وهدر الموارد الاقتصادية، وتهميش الثقافات واللغات المحلية، وقد تؤدي إلى نشوب الحروب بين الدول في بعض الأحيان. وهكذا، نكون إزاء وباء له تداعياته الخطيرة ونتائجه المدمّرة ما يقتضي اجتراح وسائل العلاج اللازمة واقتراح الحلول المناسبة.
وإذا كانت الظروف والأنواع والأعراض تدخل في باب تشخيص المشكلة، فإن الكاتب لا يكتفي بذلك، بل يعمد إلى اقتراح الحلول، على أنواعها، وهو ما يتكرّر في المقالات المختلفة. وعلى طريقة “وداوني بالتي كانت هي الداء”، ولأن حلقات نمو الظاهرة تتدرّج صُعُداً من البيت إلى المدرسة إلى المجتمع إلى الدولة، نراه يرتّب مسؤوليات على كل من هذه الأطر، ويقترح الحلول التي يراها مناسبة. وفي هذا السياق، يشير إلى إمكانية تدخّل الوالدين “في بداية مراحل الحياة لوقف انزلاق أنجالهما باتجاه حدود النرجسية الجافة” (ص 31)، وإمكانية “اللجوء إلى الجهاز التعليمي وإدخال مقرّرات دراسية أكاديمية عملية وتوعوية” (ص 31)، وواجب “الأجهزة الإدارية والتربوية والتعليمية والتثقيفية والتوعوية والتوجيهية والتعبوية في أخذ دورها في كبح جماح وباء النرجسية” (ص 175، 176)، ومسؤولية الدولة المحورية المهمة “في كبح جماح نرجسية الأحزاب” (ص 155)، وضرورة إخضاع متبوّئي المناصب والمحيطين بهم إلى امتحانات لقياس درجات النرجسية لديهم، وإلى لجان تحقيق وتدقيق ونقد وتصحيح مسار (ص 167)، وغيرها من المقترحات والحلول التي يزخر بها الكتاب ولا يتّسع المقام لذكرها.
وبعد، “مواقد نرجسية” كتاب يزخر بالملاحظات الدقيقة والوقائع الواقعية والتجارب المعيشة، ينفتح على الفروع المعرفية الإنسانية المختلفة، يجري على رسله في أسلوب سهل ممتنع يُجانب الصرامة المنهجية والتجهّم الأكاديمي، ويقدّم مادّة معرفية سلسة يتوجّه بها إلى أوسع شريحة ممكنة من القرّاء، ويتيح لهم فرصتي المتعة والفائدة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر