طفولة السميسم الله ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
كنا نعزفُ بكمان طفولتنا حتى يسمعنا الأطرش بتهوفن، وكان لجدي بستان من نخلٍ، من عشبٍ، من نبتٍ يشبه سنبلة خضراء في سطر رسالة عشق، يسمونهُ (سميسم الله). وحين نجوع ننزع عنها القشرة ونأكلها، لا نعرف ما سر مذاق تلك النبتة، لكنها تقترن باسم الله. إذن هي تشفينا وترفع لافتة تقول: ضد الجوع ومن دون ثمن.
هذه خاطرة في الغربة كتبتها تخليداً لسنبلة في بستان جدي حين كنا نراجع لامتحانات البكلوريا في الصف السادس الابتدائي، وكنا نبتعد عن البيت، نبحث بين الأعشاب عن سنبلة طريقة وقصيرة اسمها «سميسم الله» نتناولها ونسدُّ جوعنا.
وهنا حيث الغربة لن تبقي من طفولتنا سوى مشاهد أعوام مضت، صادفت هذه السنبلة في مراعي جنوب العاصمة الإيطالية روما، وحين شاهد صديقي الإيطالي (مارسيلو بوغاتي) الذي يدرس الأدب العربي في كلية الاستشراق بروما، قال: تلك النبة كان يقدسها جنود القيصر.
قلت: لماذا؟
قال: في معارك روما قد يشح التموين فيعوضون جوع بطونهم بهذا النبت.
قلت: ماذا تسمونه؟
قال: GranoDio وتعني بالإيطالية قمح الله.
تعجبت وقلت: نحن أيضاً نسميه في تسمية مشابهة (سميسم الله).
أيام التعليم في مدارس الأهوار، كنا ننتظر هطول مطر آذار بشغف أن تخضر تلك اليابسة التي يحيط بها الماء وتنشئ عليها القرية بيوت القصب وبناية المدرسة حين تخضر الأرض، وتظهر تلك السنابل الذي كان تلاميذ المدرسة والجواميس يتسابقون معنا على قطفها عندما لاحظت أن الجواميس عندما يكون هناك سنابل هذا النبات الأخضر تغادر شهيتها القصب الأخضر دون أن تأكلهُ، وكنت أستنكر ذلك وأنصح الرعاة بإبعاد جواميسهم عن سميسم الله؛ لأن تناوله بالنسبة لنا يعيد إلينا بهجة قديمة ويسعد أطفال القرية أيضاً حين يفتحون بطنه فتخرج ثمرته البيضاء منفوشة كما القطن، ولها مذاق سكري، وأعتقد أن نبات يرتبط اسمه بالخالق حتماً يوفر مادة غذائية كبيرة ويشفي العديد من العلل، لكني حين رأيت هذه السنابل (GranoDio) في مراعي روما عدت إلى المنزل، وبحثت في الإنترنت عن أصل وفائدة هذا النبات فلم أجد.
لكن صدى كلمات شغاتي وحدها أصبحت مرجعاً لأصل هذا النبات وفائدته عندما ذكره مرة: هذا هدية الله لنا؛ لأنه وحده من يقتل جوع الجواميس وجوع البشر دون أن نحتاج لطحين وعجين وتمن.
سألته: من سماه (سميسم الله)
أجاب بحكمته المعهودة: من شعر بالتجربة أن هذه السنابل هي هدية الله إلى الأرض.
من إجابة الرجل وصداها غادرت محرك البحث الهائل غوغل، وأنا أعتقد أن هدية الله هذه لابد أن تحمل قيمة غذائية كبيرة.
وحتى أُبقي ذكريات القرية وطفولتي وجوع مراجعات البكلوريا ومحاضرات درس الجغرافية لتلاميذ الصف الخامس في واحدة من مدارس قرى الأهوار البعيد، عدت في اليوم الثاني لذات المرعى، وجمعت حزمة كبيرة من سنابل السميسم الله لأعود معها إلى بيتي في ألمانيا……..!

اترك رد