منبر العراق الحر :
يَتنهّد بعمق ثمّ يقول: أتمنّى أْنْ أخرج مِن هُنا و تصدمني سيارة مُسرعة، أقع على رأسي و أستيقظ فاقد الذاكرة المُتخمة بالأهوال
رُبّما أرجع طفلاً صغيراً فاضي البال.
يسكتُ مُطولاً
أتخشّب رهبة كلمة تأتي مِني في غير مكانها
تزيد سوء الأمر ..
يتابع: – أتعلمين؟
في خدمتي العسكريّة مرّ عليّ مشاهد مُرعبة،
حملتُ الأشلاء بيدي،
كان ظنّي أنّه مَا عاد شيء يهز كياني ..
لكن أبي كما يبدو أكبر عثرة في درب حياتي،
يقفُ دائماً في وجهي مثل جبل عملاق،
عقليته غابة مُوحشة عفنة،
لا أدري كُنه نسيجه المعجون بالسرياليّة.
دموع تنهمر تجعلني أتصنّم،
تباً لي مِن امرأة، لمْ أجد له جواباً ..
أسكتُ مُرغمة مُتأثرة بملامح مُتعبة
و شعور يتكسر فوقَ سطوح لحظات قاسية..
قدمتُ له عصير برتقال، جبرته أنْ يغب الكوب لآخر نقطة
و إلا لن أسمع للمزيد مِن القهر المسفوح.
ينزع حقيبة صغيرة مِن كتفه، يضعها على طاولة في مُنتصف المكتب الصغير، يتناول الكوب البارد و يبلّ ريقه ببعض قطرات ثم يطلب ورقة و قلماً
و رقم هاتفي النقال..
يسجل الرقم و يفرك الورقة بكفّ يده
بينما أضع حقيبة يدي تحتَ ذراعه..
يسترخي على الأريكة و نظره يجول فوق الأرض
على أشياء يستصعب احتوائها
يتابع بلهفة مذبوحة:
– أخشى على أختي الوحيدة أنْ يصيبها مَا أصاب عمّتي
التي ماتت و هي تقول: – الله لا يسامحكم.
رفض جدي تزويجها لأن عرسانها أقلّ شأناً مم يُريد
بعدها أصيبت بالشلل ثمّ ماتت ببطء قتلني ملايين المرّات،
أنا شاب “اضرب و اطرح” على أساس أمشي مِن تحت أمر أب يُهيمن بسطوة غريبة ..
يشهق و يردف: – تخيّلي طلبَ أنْ أترك الفتاة التي أنوي الارتباط معها لأنها لا تروق له كونها مُطلقة،
لا أدري ما عيب المطلقات؟
يا للسخف أنا ضحية مثل عمّتي
مع أنني رجل في نظري على الأقل.
أسرح في مخيّلتي كي أجد الحل لمشكلته ..
هَلْ يظن الأهل أنّ أولادهم سيبقون دُمى تتحرك بحبالهم العتيقة إلى الأبد؟
ينهض كملسوع حين يجدني ساكتة منكسرة مثل خشبة..
قدر قادر لا يزال يُخرسني إلى الآن،
لمْ استطعْ أنْ أفيده بجملة صغيرة ترضي خاطره
مضت ليلتي مُتطاولة بين أسئلة مُتربعة و ضيق أنفاس
و كوابيس تستطيل و تستدير..
في صباح اليوم التالي استيقظتُ على رنين هاتفي الجوّال صوت ناعم خجول: ألو أنا مُمرضة..
وقعت سماعة الهاتف على الأرض بعد سماعي المكالمة السريعة و جلستْ قصّة مُقرفصة بينَ يديّ تطالبني بصرخة قاصمة تمزق سرابيل السكون المُهيمن
على مضض هيمن الصمت أيضاً و كلّ شيء تحجّر
بقي صوت الممرضة يتردد في رأسي مِن حين إلى آخر
كي يبعث في نفسي طعم الحنظل
و في رأسي كلمات لا تُنسى..
أتذكر قولها ..
ألو أنا مُمرضة مِن مستشفى المُجتهد، عندنا شاب أسمر طويل لا هوية شخصية في جيوبه للأسف لا ندري عنه أيّ شيء لأنّه كمَا يبدو بعد الحادث فقد الذاكرة
و ما شجعنا على الاتصال بك وجدنا في قبضة يده ورقة مُجعلكة مكتوب عليها رقمك
و تحتها كلمة “أحبّك لو تعلمين”
..
.. هُدى محمد وجيه الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر